ابنك ليس مثلك .. ففكر بعقله لا بعقلك

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فإن من أهم الأسباب التى يجب مُراعاتها فى خطاب الأباء لأبنائهم , أن يكونَ الخطابُ على قدر فهمهم؛ فقد جاء فى حديث أم المؤمنين عَائِشَة رضى الله عنها، أن النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :"أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ"(1). فلابُد من مُراعاة الفروق بين الأباء والأبناء , وينبغى أيضا مراعاة الفروق الفردية بين ابن وآخر , فالطفل الصغير يختلف فهمه عن طالب المرحلة الإعدادية , وطالب الثانوية العامة يختلف فهمه عن الرجل الكبير , فلكل مرحلة خصائصها وصفاتها , ومن الصعوبة بمكان أن يكون خطاب الجميع واحدا .(2)

فينبغى أن يكون التعامل مع الأولاد بعقولهم وأفكارهم فى كل زمان ومكان , حتى فى بيت الله ولك فى ذلك قدوة وهو سيد البشر صلى الله عليه وسلم . فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِيهِ رضى الله عنهما قال : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًاً أَوْ حُسَيْنًاً، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا قَالَ : أَبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ : " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ " .(3)

ومعنى قوله: "ولكن ابني ارتحلني"، أى : اتخذني راحلة بالركوب على ظهري، إننا قد نرى أن الوقت والمكان ليسا مناسبين لتصرف الطفل , ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لا يرى خطأ فى ذلك , لأنه صلى الله عليه وسلم يفكر بعقل هذا الصغير , وأنه ما دفعه لسلوكه إلا الرغبة فى اللعب مع جده , ومن ثم لم يزجره وإنما على العكس من ذلك تركه حتى انتهى من حاجته .

إننا عندما نربى أطفالنا , نلمس فى تصرفاتهم الكثير من الأخطاء والممارسات غير اللائقة , الأمر الذى يجعلنا فى عصبية دائمة , فترانا على الدوام ننتقد هذه السلوكيات , وإذا وقفنا مع أنفسنا وقفة موضوعية , نجد أن هذه البراءة فى عيون الأطفال لها ما يبررها , فالتماس العذر لهم وحسن الظن بهم لهو التصرف الأفضل والأسلوب الأمثل فى تربيتهم وتوجيههم .(4)

ففى بعض الأحيان , يبدو تصرف طفل ما على أنه خطأ كبير، فى حين أنه قد يكون محاولة من الطفل لتقديم مساعدة لوالديه . ومثال ذلك: وجدت الأم طفلتها الصغيرة (أربع سنوات) تقطر ملابسها جميعا ماء , فعاقبتها على تصرفها , لكنها عرفت بعد ذلك أن ما كانت تريده الطفلة هو ملء دلو من الماء وتنظيف باب المنزل كما رأت أمها تفعل ذلك , فوقعت وانسكب الماء ونزل بها العقاب , لا شك أنه بدا للطفلة أنها عوقبت جزاء لها على محاولتها تقديم العون وبذل المساعدة . إن ما تراه أنت بعقلك يختلف عن رؤية أبنائك، ولابُد وأن نعلم أن كل مرحلة من مراحل عمر أبنائنا لها معطياتها واحتياجاتها من الفهم والإدراك , والقدرة على التعامل مع الحياة؛ لذلك فإن محاولة بعض الأباء بتركيب عقولهم على رؤوس أولادهم رغبة فى الارتقاء بهم سوف لا يجعلهم كبارا؛ بل قد يؤدى إلى قطع أوصالهم ووقف نموهم.(5)

وختاما: أخى المربى، وأختى المربية، دعا ابنكما يعيش حياته وعقله وطاقته , لا حياتكما أنتما , مع متابعته حتى لا يقع فى انحراف , أو خطر , عندها يكون دورك كأب أو أم هو الحب والتوجيه مع إعطاء مهارات الحياة .

تعلم أن ترى الأمور بمنظار أبنائك , وفكر بصدق فيما يريدون , لا ما تريد أنت؛ وتذكر دائما تلك النصيحة التربوية "ابنك ليس مثلك؛ ففكر بعقله لا بعقلك" .(6)

هذا والله من وراء القصد وهو الهادى إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)رواه أبوداود برقم (4842) وصححه الحاكم وابن الصلاح وضعفه الألبانى وحسنه السخاوى وشعيب الأرنؤوط , ومع الإختلاف فى التصحيح والتضعيف فإن المعنى صحيح ولا خلاف فى ذلك . (2)اللمسة الإنسانية_د/محمد بدرى. (3)رواه النسائى برقم(1141) , مسند أحمد (3/494) , وصححه الألبانى. (4)كيف تتنتقد الآخرين , وتستولى على محبتهم وإحترامهم_أ/أكرم عثمان. (5)صناعة النجاح_د/طارق السويدان وأ/فيصل باشراحيل-بتصرف- (6) اللمسة الإنسانية_د/محمد بدرى.-بتصرف-