تزييف الوعي

  • 145
صورة أرشفية

عندما يتحول الأسود إلى رمادى، والرمادى إلى أبيض؛ فتش عن الإعلامي (يسرى فودة)

بغض النظر عن مدى التزام قائل هذه العبارة بمحتواها، فإنها تبقى حقيقة لا مراء فيها لها شواهدها على مر التاريخ؛ فقد اعتمد كثير من الساسة على الآلة الإعلامية كوسيلة فعالة لبسط سيطرتهم على عقول الشعوب، فرغم بسط سيطرتهم على أملاك البلاد وثرواتها، وامتلاكهم لقوى الردع والتنكيل، يبقى دائما حلم التبعية المطلقة والطاعة العمياء للزعيم الملهم، ولا يتم ذلك الهدف إلا بجهود الكتيبة الإعلامية.

أدرك "فرعون" خطورة دعوة "موسى" على ملكه؛ فتذرع بالخوف على الشعب (إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد)، الفساد!!! الذى امتلأت به البلاد والعباد وجاء موسى ليطهره ,ألقى فرعون التهمة على موسى وقلب الحقيقة، وعلى الرغم من وضوح الصورة فإن فرعون وجد من يصدقه ويتبعه، حتى عندما اقتحم البحر كبرا وعنادا وجد من هؤلاء المغيبة عقولهم من يسير خلفه (فاستخف قومه فأطاعوه).

وقد قال "جوزيف جوبلر" وزير الإعلام النازى فى حكومة "هتلر": "أعطنى إعلاما بلا ضمير؛ أعطك شعبا بلا وعى"، وهو نفسه القائل: "استمر بالكذب حتى يصدقك الناس"، وهكذا يتميز الإعلام السلطوى على مر العصور، وإن بدا ترفيهى أحيانا تثقيفى أحيانا، مهتما بآلام الناس أحيانا أخرى.. ناقدا .. محللا .. يبقى له غاية واحدة، "وهى تشكيل الرأى العام، وضخ مفاهيم معينة فى عقول الشعوب", ومقدار نجاح هذه الوسائل أو فشلها يعتمد على على مدى تصديق أوتكذيب المشاهد لها؛ والمثل الإنجليزى يقول: "القدر قليل الماء سريع الغليان" , بمعنى أن الإنسان كلما قلت ثقافته وعلمه كان سريع التأثر والانفعال؛ لا سيما الغضب، أما صاحب الفكر والبصيرة فإنه يكون هادئا متزنا يميز أقرب الأقوال إلى الصواب، ويقرأ الحقيقة من بين السطور والكلمات؛ ليفهم ما وراء الخبر، ليس جامد العواطف، لكنه ليس مغيب العقل أيضا .

جاءت امرأة يوما اإلى شريح القاضى تحتكم فى قضية، فبكت بكاء حارا شديدا، فقال له أحد الجالسين ما أراها إلا صادقة؛ قال شريح لا تفعل فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون. وقد قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: "الناس ثلاثة، عالم ربانى، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق" .

فلم ينج من هذه التبعية العمياء إلا من كان مشتغلا بالعلم عالما كان أومتعلما؛ لذا فإننا لا نبالغ إن قلنا إننا فى هذه الأوقات بالذات أحوج ما نكون إلى دراسة العلم الشرعي، لا سيما القضايا الفكرية وفقه الجهاد وضوابط التكفير وفقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وغيرها من المسائل، والقرب من الله، وحسن الخلق، والإحسان إلى الخلق، والله تعالى يقول: (يأيها الذين ءامنوا إن تتقو الله يجعل لكم فرقانا )؛ تفرقون بيه بين الحق والباطل, فالله نسأل أن يهدينا للحق ويثبتنا عليه .