في الذكري العشرين.. البوسنة والهرسك مأساة لا يمحوها الزمان

  • 263

مجازر ومذابح جماعية ومعسكرات للاغتصاب الجماعي
الناجون أصابهم الجنون و150 ألف شهيد و200 ألف جريح ومعاق

واحسرتاه على أمة هي خير الأمم، دستورها القرآن ونبيها الرسول العدنان، لكنها تناست شرع ربها وابتعدت عن نبيها، فامتلأت أرضهم ظلما، وارتوت بالدماء بطشا، وسجن الحق فيه أصحابه، بل إن نساءهم لم تسلم، وقبعن خلف أسوار سجان ظالم، فتطاول عليهن الأقزام، وامتدت لهن يد السوء، فآه كمدا وحزنا، وآه وجعا وألما، على من دانت لهم الأمم يوما ما، أما الآن فتتداعى لها الأمم، كما تتداعى الكلاب إلى قصعتها.

وعن مأساة البوسنة والهرسك، إحدى مآسي المسلمين، فتلك الذكرى العشرون لها، ويالها من ذكرى، تنفطر لها القلوب، وتتداعى لها الخطوب، فمسلمو البوسنة والهرسك، قد لاقوا أصنافا شتى من العذاب، طالت الصغار والكبار، والرجال والنساء، بل هُتك العرض ودُنسّ الشرف، وسفكت الدماء وقطعت الأشلاء، فشهيد هنا وشهيد هناك، أشلاء تتطاير ودماء تتساقط، والمسلمون فى بلدانهم يرقبون الأمر، لكنهم ما حركوا ساكنًا، وما منعوا شيئا.
اندلعت الحرب العالمية الأولى بنيران أشعلها الصرب، بعد أن قتل أحد الصربيين ولي العهد النمساوي، إلا أن مسلمى المنطقة قد دفعوا الثمن غاليا، وقتل الكثير منهم، بل تعرضوا للإهانة ومصادرة الأراضي.

وكما ألقى اللوم على المسلمين إبان الحرب العالمية الأولي، فقد تكرر الأمر أيضا في الحرب العالمية الثانية، إذ أصبح المسلمون متهمين من الجميع، ظلما وزورا، فاتهمهم الصرب بموالاة دول المحور؛ وبالتالي فهم يستحقون القتل، كما اتهمهم الكروات بموالاة الصرب؛ ما جعل الشيوعيين في يوغسلافيا يتوعدون الحركات الإسلامية بالإبادة، كما حدث مع حركة "الشباب المسلم" عام 1949م، فألقوا بالمسلمين أحياء في آبار المياه، وألقوا بالأطفال الضعفاء على الصخور، ومن عاش منهم ألقوا بهم أحياء.

ورغم اعتراف الدولة اليوغسلافية بالقومية الإسلامية، في دستور 1974م، إلا أن هذا الاعتراف كان شكليا، ولم يحد من التعصب الأعمى ضد المسلمين.
تفككت الجمهوريات اليوغسلافية، وفي 5 يناير 1992م تم الإعلان عن قيام البوسنة والهرسك، إلا أن الدول اعترفت بسلوفينيا وكرواتيا كدولتين مستقلتين، وأنكرت على البوسنة والهرسك دولتهم، وطالبتهم بالاستفتاء حول الاستقلال، وبالفعل أجرى الاستفتاء، وصوت بنسبة 99.7% لصالح الاستقلال، وأعلن استقلال الجمهورية رسميا في 4 مارس 1922م.

جن جنون الصرب وشت عقلهم؛ كيف يكون للمسلمين دولة مستقلة، يقيمون على أرضها المساجد ويرتلون بها القرآن، فأعلن الصرب حقدا دفينا كانوا يضمرونه، وعن كره أعمى كانوا قد أخفوه، وخرجت ينادون بالثأر، ويصرخون بالموت، وانطلقوا إلى أئمة المساجد ورجال الدعوة؛ حيث يتم شنقهم وتعليقهم على مآذن المساجد، بل حاول الصرب الأرثوذكس تنصير العديد من المسلمين، واختطفوا 50 ألف طفل بوسني من المستشفيات ومراكز اللاجئين، بغية تنصيرهم، فتم شحنهم في حافلات إلى بلجراد، ثم إلى جهة تنصيرية بألمانيا.

ارتكب الجنود الصرب أبشع الجرائم وأقبح الأفعال في حق المسلمين البوسنيين، وكل شيء تم تحت بصر وسمع الكنيسة الأرثوذكسية بل كان جاء الفعل استجابة لأوامرها؛ فقام الجنود بقطع إصبعين وترك ثلاثة أصابع للضحايا كرمز على التثليث، ورسم الصليب على الأجسام بالسكاكين والحديد.

لم يقف الأمر هنا بل تخطي كل شيء، فرجالات الكنيسة، قد لمع الغل في عيونهم، وتربع الحقد في قلوبهم، فأجازت الكنيسة اغتصاب الصرب للمسلمات؛ فاغتصبت الطفلة والعجوز، واغتصبت الابنة والأم، واغتصبت الزوجة والأرملة، فتم اغتصاب آلاف الفتيات، بل أقيمت معسكــرات للاغتصاب الجماعي، وصارت المسلمات سبايا لعبدة الثالوث، واستخدمن للترويح عن الجنود الصرب والأقزام، والمفجع أنه من كثرة الفتيات المسلمات اللائي اغتصبن، لم يتمكن أحد من التوصل إلى إحصائية دقيقة تعبر عن عدد المغتصبات، وفي أقل تقدير تم اغتصاب نحو 60 ألف سيدة وفتاة وطفلة بوسنية، حتى فبراير 1993م، ولم يقتصر أولو القلوب السوداء على اغتصابهن مرة واحدة، بل اغتصابهن عدة مرات.

وسيسأل المسلمون قبل غيرهم، عن أولئك العفيفات اللائي اغتصبن تحت سمع وبصر الجميع، كما حدث مع تلك الأسرة المسلمة التي تتكون من جدة عمرها 60 عامًا، وابنتها الكبرى 42عامًا، اللتين هما أم لبنات خمس يتراوح أعمارهن ما بين 6 أعوام إلى 19 عاما، إذ اقتحم ثلاثة من الجنود الصرب بيت تلك الأسرة، وبوحشية تنكرها الحيوانات نفسها، قام الثلاثة الصرب وأوقفوهن جميعا صفا واحدا، وقاموا باغتصاب الجدة أولا ثم اغتصاب الأم وأخيرا اغتصاب البنات الخمس، فماتت اثنتان من الفتيات، وجنت الأم والجدة، وفقدتا النطق معا.
لم تكن تلك الأسرة هي المأساة الوحيدة، أو الحالة الفريدة، بل إن عبدة الثالوث أقاموا معسكرات جماعية للسيدات، مارسوا فيها أشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي معًا، وأخطرها اغتصاب العرض.
وفي ذاك المعسكر الذي أقيم لهتك أعراض المسلمات، تحكي مسلمة عمّا أسرته في نفسها، وبئس الدخول إلى قلوب أسرت مرًا وطفحت بما هو أمر، فتحكي الفتاة عن المنهجية التي اتبعها الصرب، لاغتصاب المسلمات، حتى اغتصاب البنات في سن 7 و 8 سنوات.
تحكي الفتاه، قصة اغتصاب الصرب لها، وضربهم إياها ضربا مبرحا؛ كي تلفظ بقول الكفر، وترتد عن دينها، ولما أصرت الفتاة على دينها، اصطحبوها إلى جثث القتلى، وأجبروها على لحس دمائهم.

وفي المعسكر ذاته، تحكي أخرى، أن 6 عسكريين صرب دخلوا عليها، وانهاروا عليها ضربا موجعا، ثم أخذوها إلى غرفة، واغتصبوها جميعا، واحدا تلو الآخر، ولم يمنعهم أو يوقفهم صراخ الفتاة، ولا يوجد من يغيث؛ حتى أغمى عليها، ولم تدر بالكون حولها.

ذاك سطر من كتاب مأساة البوسنة والهرسك، وآه من آهات أهلها، استغاثت فتياتهم وما من مغيث، بل إن أحد مشايخهم، وجه أكثر من 100 رسالة إلى زعماء العالم عامة والمسلمين منهم خاصة، ولكن ما من مجيب، ولا حياة لمن تنادى، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
ومن الاغتصاب إلى القتل والترويع، يحكي شاب عن قصة اختطاف أبيه، أن الصرب اعتقلوا كل الذكور فوق الـ 11 عاما، ومنهم من عاد مبتور الذراع أو القدم، ومنهم من عاد مقتولا، ومنهم من لم بعد حتى الآن، ومن بين الذين لم يعودوا حتى الآن، والد ذاك الشاب.

يحكي الشاب، أن الصرب قد أخذوا والده من بينهم، ولم يلتفت الصرب إلى بكاء وصراخ أبنائهم الذين يمسكون بأيدى أبيهم، ويقول الشاب، إنني ما زلت أتذكر قول أبي لي ويده تنسحب من يدي، لا تخافوا سأعود، وانتظرنا عودته كثيرا إلا أنه لم يعد، لكننا الآن لا ننتظر عودته بل ننتظر معرفة قبر له، فما أشد وجعا أن كل ما تتمناه أن يكون لوالدك قبرا.

وها هي صورة أخرى من صور القتل والترويع، فتيان ستة أخذهم الصرب إلى إحدى الغابات، وأوثقوا أيديهم خلف ظهورهم، ثم جعلوهم على وجوههم في الأرض، وصوبوا السلاح نحوهم، وبعد دقائق من الصمت، يرقب فيها الفتيان مصيرهم، وينتظرون لحظات موتهم، أوقفهم الصرب واصطحبوهم إلى مكان آخر بنفس الغاب، وأوقفوهم طابورا، وجعل الجنود الصرب الفتى الأولى يتقدم خطوات قليلة، وأمام رفاقه انهال الجنود على الفتى بالرصاص فأردوه قتيلا، وهكذا الثاني والثالث والرابع، وبعد مقتل الفتي الرابع توقف الجنود عن إطلاق الرصاص، وظن الشبان أن الأمر قد انتهى، لكن قلوب الصرب العفنة، جعلت الشبان يحملون الجثث الأربعة إلى حفرة ما، ثم قتلوا الشبان ليسقطوا بجوار جثث رفاقهم التي حملوها بأيديهم.

هذه حالات فردية، أما عن المذابح الجماعية، ففي 11 / 7 / 1995م، صدر قرار "اقتلوا المسلمين"، علي لسان زعيم صربيا "رادوفان كراجيتش" وقائده العسكري "راتكو ملاديتش"، وجاءت الاستجابة سريعة، ويكفيك مذبحة سربرنيتشا، تلك المذبحة التي وقعت بالبوسنة والهرسك في عام 1995م، وراح ضحيتها حسب بعض الإحصائيات 8 آلاف ضحية، ومنهم من قال 20 ألفا، فضلا عن آلاف المهجرين والمشردين، كأكبر مجزرة شهدتها أوربا منذ الحرب العالمية الثانية.

أو كمجزرة سراييفو، تلك المدينة التي ظلت تحت حصار الصرب مدة 44 شهرا متتاليا، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي برمته، بما فيهم المسلمون والعرب، تلك المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 1000 طفل، إلى أن انتهى الحصار في 29 / 11 / 1996م.

وانتهى الصراع في البوسنة والهرسك بعقد اتفاقية دايتون للسلام في باريس في 24 ديسمبر 1995م، بعد حملة إبادة جماعية في حق المسلمين، راح ضحيتها 150 ألف مسلم، و200 الف جريح ومعاق، وما زالت المقابر الجماعية تكتشف، كما في مدينة " موستار "، وعن الناجين والأحياء، فقط أصيب نصفهم بالجنون والأمراض النفسية فضلا عن تدمير 60% من المنازل و33% من المستشفيات و50% من المدارس.

في الذكري العشرين.. البوسنة والهرسك مأساة لا يمحوها الزمان