د. أحمد فريد - أول وآخر وأرجى وأخوف آيات القرآن - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-08-31 22:04:00

أول ما نزل وآخر ما نزل مِن القرآن

  •        فأما أوله: ففي صحيح البخاري في حديث بدء الوحي ما يقتضي أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ( العلق: 1)، ثم المدثر.
وأخرجه الحاكم في مستدركه مِن حديث عائشة رضي الله عنها صريحًا وقال: صحيح الإسناد.
 
وقيل: إن أول ما نزل للرسالة (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: 1)، وللنبوة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)؛ فإن العلماء قالوا: قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى شخص على لسان الملك بتكليف خاص.
 
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2) دليل على رسالته صلى الله عليه وسلم؛ لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام.
 
  •        وأما آخره: فاختلفوا فيه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر: 1)، وعن عائشة: سورة المائدة، وقيل: (وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (البقرة: 281)، وقال السدي: آخر ما نزل (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (التوبة: 129).
 
وفي صحيح البخاري في سورة براءة عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: آخر آية نزلت (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) (النساء: 176)، وآخر سورة براءة.
 
قال القاضي أبو بكر في "الانتصار": وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن، وليس العلم بذلك مِن فرائض الدين حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط.
 
هل في القرآن شيء أفضل مِن شيء؟


قد اختلف الناس في ذلك؛ فذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو حاتم ابن حبان إلى أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينها، وروي معناه عن مالك.
 
قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها، واحتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيها.
 
وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث، ثم اختلفوا فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عظم الأجر، ومضاعفة الثواب، بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلا، وقيل: بل يرجع لذات اللفظ، وأن ما تضمنه قوله تعالى: (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 162)، وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص مِن الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودًا مثلًا في (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد: 1)، وما كان مثلها، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا مِن حيث الصفة وهذا هو الحق.


وممن قال بالتفضيل: إسحاق بن راهوية وغيره مِن العلماء.
 
وتوسط الشيخ عز الدين فقال: كلام الله في الله أفضل مِن كلام الله في غيره؛ فـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أفضل مِن (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ).
وعلى ذلك بنى الغزالي كتابه المسمى بـ «جواهر القرآن».
 
واختاره القاضي أبو بكر بن العربي لحديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري: «إني أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن، قال: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)»، ولحديث أبي بن كعب في الصحيحين قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قلت: «الله ورسوله أعلم»، قال: «يا أبي؛ أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: قلت: (اللَّهُ لاَ إله إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة: 255)، قال: فضرب في صدري وقال: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر».


وأخرجه الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبي هريرة: «سيدة آي القرآن آية الكرسي».
 
قال ابن العربي: إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها؛ فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته، وهي في آي القرآن كـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحد) في سُوَرِهِ، إلا أن سورة الإخلاص تفضلها بوجهين:


أحدهما: أنها سورة وهذه آية؛ فالسورة أعظم مِن الآية؛ لأنه وقع التحدي بها فهي أفضل مِن الآية التي لم يتحدَّ بها.
 
والثاني: أن سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفًا، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفًا، فظهرت القدرة في الإعجاز.
 
أرجى آية وأخوف آية في كتاب الله عز وجل:-

  •       أرجى آية: قيل: هي قوله عز وجل: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (سبأ: 17).
 
وروى الحاكم في مستدركه عن محمد بن المنكدر قال: التقى ابن عباس وعبد الله ابن عمرو بن العاص فقال ابن عباس: أي آية في كتاب الله أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ) (الزمر: 53)، قال: لكن قول إبراهيم: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: 260) هذا لما في الصدور مِن وسوسة الشيطان فرضي الله تعالى مِن إبراهيم (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
 
وقال الناس في سورة الأحقاف: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (الأحقاف: 35)، فقال: إن هذه الآية مِن أرجى آية في القرآن إلا أن ابن عباس قال: أرجى آية في القرآن: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) (الرعد: 6).
 
  •        أما أخوف آية: فعن الإمام أبي حنيفة أنه قال: هي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (آل عمران: 131).
 
ولو قيل: إنها (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ) (الرحمن: 31) لكان له وجه، ولهذا قال بعضهم: لو سمعت هذه الكلمة من خفير الحارة لم أنَم.