د. خالد آل رحيم - (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2016-09-10 19:28:06

في خضم الأحداث، وإطلاق العنان للألسنة بالتكفير والتخوين والتفسيق والغيبة والنميمة، ورمي التهم جزافاً على العلماء فضلاً عن العامة، وقع نظري على آية عظيمة من آيات القرآن الكريم في سورة من أعظم سور القرآن وهي سورة النور، والتي أنزلت بعض آياتها في براءة عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، وهي قول الله تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)، ولما أنزلت هذه الآية وغيرها من الآيات  في براءة عائشة رضي الله عنها فليس معناه أنها خاصة بها فقط، وطبقاً للقاعدة المشهورة من قواعد علوم القرآن: (العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب)، لذلك رأيت أن الحديث لابد أن يكون حول هذه الآية، ومن تأملها ووقف عند بعض معانيها سيجد العجب العجاب.

قال البقاعي رحمه الله : (تَلَقَّوْنَهُ)أي تجتهدون في تلقي -أي قبول- هذا الكلام الفاحش وإلقائه، (بِأَلْسِنَتِكُمْ) بإشاعة البعض وسؤال أخرين وسكوت أخرين، (بِأَفْوَاهِكُمْ) تصوير لمزيد قبحه، وإشارة إلى أنه قول لا حقيقة له، فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل، وأكد هذا المعنى بقوله (مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) أي بوجه من الوجوه، وتنكيره للتحقير، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) بدليل سكوتكم عن إنكاره (وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) أي في حد ذاته ولو كان في غير أم المؤمنين. 

وقال العلماء: والتلقي عادة يكون بالآذان لا بالألسنة، لكنهم لسرعة إلقائهم لهذه الإشاعات  بألسنتهم بمجرد سماعهم لها فكأنها عبرت للسان دون مرور بالسمع، ثم قال: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ) ومن المعلوم أن القول يكون بالأفواه، وذكره هنا أن القول لما لم تقبله القلوب وتمحصه العقول أصبح مجرد حركة للأفواه لم تتأمل عقباها، وهذا من التكلم بالباطل  والقول بلا علم، فلاتظنوا ذلك شيئًا هيِّنًا، بل هو عند الله عظيم، وفي هذا زجر بليغ عن التهاون في إشاعة الباطل.

وهذا بهتان عظيم يرتكبه بعض الجهلاء للطعن في الشرفاء من العلماء.

والبهتان كما قال  المناوي رحمه الله:  كذب يبهت سامعه ويدهشه ويحيره لفظاعته. وقال الكفوي رحمه الله: هو أفحش من الكذب. وعند ابن حجر هو من الكبائر وأنه أشد من الغيبة.

وروى الطبراني، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ذكر امرءاً بشيء ليعيبه به حبسه الله فى نار جهنم حتى يأتي بنفاذ مافيه)، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)

 ولذلك شدد المولى تعالى فذ ذلك فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)، قال ابن كثير رحمه الله: أي ينسبون إليهم ما هم براء منه لم يعملوه ولم يفعلوه.

بل وجعل ذلك من صفات المنافقين، فقال تعالى:  (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) وقال تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)

وعن أبي الدرداء رضي الله أن النبي  الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء" (حسن صحيح)

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء والعي شُعبان من الإيمان والبذاء والبيان شُعبان من شعب النفاق" (حسن صحيح)

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان.

قال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم  بأدوأ الدواء اللسان البذيء والخلق الدنيء.

عن سعيد بن عبد العزيز رحمه الله قال: رأى أبو الدرداء رضي الله عنه امرأة سليطة اللسان فقال: لو كانت هذه خرساء كان خير لها.

قال الغزالي  رحمه الله تعالى: إن السب والفحش وبذاءة اللسان مذمومة ومنهي عنها، ومصدرها الخبث واللؤم، والباعث عليها إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم، لأن من عادتهم السب، لأن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها, وإما أهل الصلاح فإنهم يتحاشون عنها.  (الإحياء)

وفى الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) صححه الألباني.

ولذلك بين تعالى ما يجب على الجميع التزامه بقوله عز وجل: حين تتلقفون الإفك وتتناقلونه بأفواهكم، وهو قول باطل، وليس عندكم به علم، وهما محظوران: التكلم بالباطل، والقول بلا علم، وتظنون ذلك شيئًا هيِّنًا، وهو عند الله عظيم. وفي هذا زجر بليغ عن التهاون في إشاعة الباطل.

 (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). قال العلماء: يبين الحق -جل وعلا- أمره لعباده المؤمنين بأن يكونوا قوامين بالقسط قائمين بالعدل، وأن يكون عدلهم مع جميع الخلق، الموافقين منهم والمخالفين، وأن لا يحملهم بغضهم للمخالفين بأن لا يعدلوا معهم، لأن بالعدل قامت السموات والأرض، وهو أقرب الطرق الموصلة للتقوى (انتهى)

فمن قام بالعدل بين العباد لن يطعن في نياتهم انتصاراً لموقف أو هوى أو رغبة في دنيا، سواء كانوا موافقين له أو مخالفين، ومن لم يلتزم قول الله تعالى فنحذره من وعيد الله له بقوله: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).

والله من وراء القصد.