د. ياسر برهامي - محنُ المسلمين.. وأمراض القلوب - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2016-12-09 23:48:58

ما يصيبُ المسلمين هذه الأيام من محن وآلام، في سوريّا وفي العراق وفي بورما، في اليمن، في ليبيا، في أفغانستان، في أماكن كثيرة من العالم، وما يُطل برأسه على البلاد الأخرى توشك أن تنزل بهم، أمرٌ فوق الاحتمال، وقد بلغ مداه، وتسلَّط الأعداءُ تسلُّطاً لا تطمئن معه -ولا تسكن أبدًا- نفس امرئ مؤمن، وهذا النوع من التسلُّط لابد أن يجعلنا نعيد النظر في حالنا، لا أعني فقط في البلاد التي نزل بها البلاء، بل ربما كانت عقوبة العامة بنزول البلاء في بعض البلاد ليغفر الله -عزّ وجلّ- لهم ويتجاوز عنهم، ويعفو عنهم -سبحانه وتعالى- كما قال الله -عزّ وجلّ- لبني إسرائيل: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عسى ربُكم أن يرحمكُم".

فلا بد أن ينظر جميع العاملين من أجل الإسلام في أماكن العالم الإسلامي كلها في أحوالهم، وفي أحوال قلوبهم، فإنّ التفرق الحالي الذي هو من أعظم أسباب تسلّط الأعداء لايمكن أن يكون بغير أمراضٍ للقلوب ضيعت سلامتَها وأفسدت أحوالها.

وإن إسلام القلوب لله كما أنه سبب لنجاة أصحابها يوم القيامة وصلاحِهم وإستقامتهم في خاصة أنفسهم، فهو كذلك من أعظم أسباب التمكين؛ أن يُمَكِّن الله -عزّ وجلّ- للطائفة المؤمنة، فإن الله يُغيّر موازين الكون وسُنَنه التي يسير عليها من أجل هذه الطائفة المؤمنة؛ فهي وإن كانت قليلة مستضعَفة أو ليس لها من أسباب القوة ما يحقق لها هذا التمكين إلا أن الله -عزّ وجلّ- يتفضل عليها به بما يعلمُه من سلامة قلوب أفرادها، كما تفضّل الله -عزّ وجلّ- على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بالفتح المبين في الحديبية، لما علم من السكينة في قلوبهم وسلامتها من الأمراض، قال تعالى: "لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا  وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا"؛ فنزول السكينة كان بسبب ما علم الله ما في قلوبهم من التسليم وكمال التفويض والتوكل على الله.

وقد بيّن الله -عزّ وجلّ- أن الهزيمة في أُحُد كانت بسبب تسلل مرض حُبّ الدنيا إلى قلوب بعض المؤمنين، فقال: "لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ"، ولقد بيّن الله -عزّ وجلّ- أن المُصيبة التي نزلت والهزيمة التي حصلت كانت بسبب أعمال المسلمين، فقال: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ".

وقد اشترط الله للتمكين في الأرض عبادة من العبادات القلبية، فقال تعالى: "فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ".

وهكذا جعل الله سبحانه شرط التمكين للمؤمنين عبر العصور هو الإيمان والعمل الصالح، الذي لايكون إلا بسلامة القلب وتحقيق التوحيد؛ "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا".

فلو طهُرت القلوب وسلمت من أمراضها لجَاهَد أصحابُها في سبيل الله لإقامة العبودية له وحده، كما قال ربعي بن عامر: "الله ابتعثَنا لنُخرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جورِ الأديان إلى عَدْل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة"؛ وإذاً لاستحقوا -إن كانوا طائفة مؤمنة- نُصرةَ الله تعالى والتمكين في الأرض، قال تعالى: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ".

أما إذا كانت النفوس بعدُ لم تُزَكّى والقلوب لم تُصلح؛ أوشكت الغاية أن تتبدل والوسائل أن تنحرف؛ فبدلًا من أن يكون التمكين في الأرض وسيلة لإقامة العبودية لله، صار غايةً أو وسيلةً لتحصيل حظوظ النفس أو الانتقام لها، وبدلًا من أن تكون أهم الوسائل لهذا التمكين هي الحرص على متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصغير قبل الكبير، صارت الوسائل هي المداهنة في أساسيات العقيدة وثوابت الدين، فأيّ تمكين يحصل لأمثال هؤلاء؟! ولو تمكنوا لما غَيّروا شيئًا، ولصار الدينُ مجرد شعار أو طلاء يُطلى به الباطل دون تغيير.

بذلك يتضح أن طريق التمكين يبدأ من التربية على العقيدة الصافية "عقيدة  السلف" -رضوان الله عليهم- التي بها تصلح القلوب وتسلم من أدرانها؛ فتُسلم قِيادَها لله تعالى، وتتعلق بالدار الآخرة، فإذا تمكنت لم ترَ في كمالها وسعيها وما صنعته ما يصيبها بالعُجب، بل تستقِلّ سعيَها -ترى سعيها قليلًا- في سبيل الله؛ لأن الله لايقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، ولم تكن متعلّقة بالدنيا أو برؤية الناس؛ فإن هذا أمر لايحصل معه الخير، ولا يحصل معه المقصود من التمكين للمؤمنين.

الغرض المقصود أن سلامة القلب هي أول ما يجب على المكلَّف أن يحرص عليه؛ إذ لايكون الإيمان ولا تحصل الأعمال إلا بسلامة القلوب من الأمراض التي كرهها الله، وأمر العباد أن يداوو أنفسهم؛ حتى لاتستفحل فتقضي على ما في القلوب من حياة أصحابها.

أما إذا أُهمِل علاج هذه الأمراض المتأصّلة في النفس؛ نشأ عنها الشرك والعناد والنفاق والفساد في الأرض، وغيرها من الأمراض المهلِكة والعياذ بالله، وكذا أمراض الكِبْر والعُجْب والغرور، وحب الرياسة والجاه، والرياء والسمعة، التي ينشأ عنها تنافس الناس على هذه الدنيا، وما ينشأ عن ذلك من البلايا والمِحَن؛ وكل ذلك بسبب أن الإنسان لم يُداوِ نفسه من أدوائها، ولم يأخذ بالأسباب التي يصير قلبه بها سليما.

فلابد أن نعيد النظر في أحوالنا -أحوال قلوبنا-؛ ليغيِّر الله -عزّ وجلّ- ما بأمتنا من بلايا ومِحَن، وكلنا مسئولون.

نسأل الله أن يعافي المسلمين في كل مكان، وأن يعصم دمائهم، وأن يفرّج كربهم، وأن ينصرهم على عدوهم.