د. هشام عزمي - العلم والإيمان (4) - بوابة الفتح الالكترونية
د. هشام عزمي
2017-10-30 16:39:36

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ذكرنا في المقال السابق أن الأسباب المادية والغيبية لا تتعارض ولا تتناقض، ولا ينفي بعضها بعضًا، وإنما يقع الإشكال عندما نتصور أن معرفة الأسباب المادية الطبيعية الكونية ينفي بالضرورة الأسباب الغيبية.

كقول عالم الكونيات شين كارول "Sean Carroll": "على مدار الخمسمائة عام الماضية، كان تقدم العلم يعمل على انتزاع أدوار الله في العالم! لم يعد مطلوبًا ليظل كل شيء في حالة حركة، أو ليخلق تعقيد الكائنات الحية، أو ليفسر سبب وجود الكون مِن ألفي عام، كان مِن تمام العقل أن نُدخل الله كتفسير للظواهر الطبيعية، الآن نحن نستطيع أن نفعل أفضل مِن ذلك".

أو كالمقولة الشهيرة للعالم الشهير "ستيفن هوكينج" في كتابه الأخير: "التصميم العظيم"، والتي طارتْ بها الصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت: "الكون ليس بحاجةٍ إلى إله ليخلقه!".

والمقصود بهذا أنه في مقابل الفهم الإيماني للظواهر الكونية الذي يراها آيات ودلائل وبراهين على وجود الله وقدرته وحكمته، وقيوميته وقاهريته، هناك الفهم المادي الإلحادي الذي يَراها لا تدل على الله، وليستْ برهانًا على الإيمان، والتفكر فيها لا يؤدي إلى اليقين الإيماني، بل ربما العكس! ونحن بحاجةٍ إلى التعرف إلى الرؤية الإلحادية للعلم حتى نكون على بصيرةٍ عند تناول مسائل تتعلق بالنظريات العلمية المطروحة وعلاقتها بالدين.

عندما نفهم الفلسفة الإلحادية في تفسير نشأة الكون وظواهره، وتفسير نشأة الحياة وتنوعها، وأنها تدعو إلى إنكار وجود الله وسيادة التفسيرات المادية المحضة، وأن كل هذه الظواهر إنما تمتْ بدون فاعل، بل بالقوانين المادية وحدها، وفي المقابل نفهم الفلسفة الإيمانية في تفسير وجود الكون والحياة وجميع الظواهر الطبيعية، وأنها لا تقوم إلا بفعل فاعل، خالق عليم، قدير حكيم خبير، وأن الأسباب المادية ليستْ إلا وسائط لا تعمل إلا بفعل الفاعل - عندما نفهم هاتين الفلسفتين نستطيع أن نميز بينهما، وأن نحذر مِن بعض الدعاوى التي يطلقها البعض ممَن لم ينفذ إلى عمق النزاع بيْن الفلسفتين، ولم يكن له مِن العلم والبصيرة ما يمنعه مِن الوقوع في الخطأ والزلل.