د. علاء بكر - الحاج "أمين الحسيني" مفتي القدس (الزعيم الفلسطيني الذي اتصل بالنازيين!) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-06-21 17:00:18

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهد كفاح الشعب الفلسطيني منذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ظهور العديد مِن الزعماء والقادة الفلسطينيين الوطنيين، الذين أعلنوا رفضهم لـ"وعد بلفور"، وعارضوا الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، ثم تطور كفاحهم ليتضمن كذلك الاعتراض على سياسة سلطة الانتداب البريطانية نفسها، بعد أن تيقنوا مِن تواطؤها وانحيازها التام إلى جانب الحركة الصهيونية.

ومِن أشهر قادة تلك الفترة: "الحاج أمين الحسيني" مفتي القدس، أحد الزعامات الفلسطينية التي تحملت أعباء الكفاح المتصل في فلسطين ضد اليهود أولًا، ثم ضد سلطة الانتداب البريطاني ثانيًا.

كان -رحمه الله- عالمًا كبيرًا، ومفتيًا ذا حجة، وكان مجاهدًا؛ تزعم الحركة الوطنية على صغر سنه، وكان هادئ الطبع، كبير النفس، له نشاط دءوب، وشخصية جذابة جعلته يتمتع بشعبيةٍ كاسحةٍ، حيث التفت حوله القلوب والسواعد، وهو مفجر ثورة الفلسطينيين الكبرى في عام 1936م والتي استمرت حتى عام 1939م، والذي اضطر أثناءها إلى الهرب مِن بطش سلطة الانتداب البريطاني إلى خارج فلسطين، فعاش منفيًّا في الغربة لعشرات السنين، وحتى وفاته -رحمه الله-.

مولده ونشأته:

وُلد الحاج محمد أمين الحسيني عام 1897م، في قرية (قالونية) بالقرب مِن مدينة القدس. تعلم مِن والده الذي كان معروفًا بعلمه الواسع في الشرع الإسلامي، وأنهى تعليمه الابتدائي والثانوي في القدس. وتعلم الفرنسية في مدرسة (الفرير) بالقدس، ثم التحق بالأزهر في مصر فأكمل دراسته الشرعية والعربية فيه، فهو مِن أبناء الأزهر المجاهدين.

وفي مصر اتصل بالعلامة "محمد رشيد رضا" -تلميذ الشيخ محمد عبده- صاحب مجلة المنار، والتحق بدار الدعوة والإرشاد بالقاهرة التي كان الشيخ محمد رشيد رضا قد أنشأها عام 1912م لتخريج الدعاة المميزين. بالإضافة إلى حضوره للمحاضرات والدروس في كلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًا).

مشاركته في الحرب العالمية الأولى:  

عاد أمين الحسيني إلى القدس مع إعلان الحرب العالمية الأولى، حيث دعي إلى الجندية، ودخل المدرسة العسكرية لضباط الاحتياط باسطنبول، حيث تخرج ضابطًا، والتحق بالجيش حتى نهاية الحرب، فمارس عمله العسكري في الفرقة 46، وفي اللواء 145 على أطراف البحر الأسود، ثم في منطقة أزمير على البحر الأبيض المتوسط حتى نهاية الحرب.

العودة إلى فلسطين:  

بعد نهاية الحرب عاد أمين الحسيني إلى وطنه، وشارك بالخطابة الحماسية في المظاهرات التي شهدتها المدن الفلسطينية احتجاجًا على الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين في أعقاب انكشاف وعد بلفور، وسعي بريطانيا إلى تنفيذه، فتم القبض على أمين الحسيني وحكمت عليه محكمة عسكرية إنجليزية بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، لكنه نجح في الهرب لاجئًا إلى سوريا، ثم إلى شرق الأردن، ثم عاد إلى فلسطين بعد صدور قرار بالعفو عنه.

تولي منصب مفتي القدس:

بعد شهور مِن عودته، توفي أخيه الشيخ كامل الحسيني مفتي فلسطين في مارس 1921م، فتم اختياره لمنصب المفتي رغم صغر سنه؛ إذ لم يكن أحد ينازع آل الحسيني في هذا المنصب، فصار مفتي القدس مِن وقتها، رغم أنه لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين مِن عمره، كما انتخب رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى القائم على إدارة الأوقاف والمحاكم الشرعية الإسلامية بالبلاد.

ترميم المسجد الأقصى:

في عامي 1923م و1924م قاد أمين الحسيني حملة لجمع التبرعات لترميم المسجد الأقصى لما أصابه مِن الوهن وتقادم الزمن، وكتب في ذلك إلى زعماء المسلمين في البلاد العربية والإسلامية، وأرسل وفودًا إليها، ترأس هو بعضها، فكانت هذه خطوة مِن خطوات تنبيه المسلمين بالقضية الفلسطينية والاهتمام بها، وقد تم الترميم بالفعل في عام 1346 هجريًّا الموافق عام 1927 ميلاديًّا.

جهوده لمنع بيع الأراضي الفلسطينية لليهود:

تنبَّه أمين الحسيني مبكرًا لأطماع الحركة الفلسطينية في فلسطين، وخطر الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، وخطر شراء اليهود للأراضي لبناء المستعمرات اليهودية عليها.

وللحد مِن شراء اليهود للأراضي الفلسطينية قام بجهودٍ عديدةٍ، منها:

- إقراض الفلسطينيين المتعسرين مِن أصحاب الأراضي؛ لمنع تسرب أراضيهم لليهود.

- القيام بحملة اشترك فيها المجلس الإسلامي لمنع تسرب أراضٍ جديدة لأيدي اليهود، كان مِن نتائجها قيام بعض صغار الملاك بإيقاف أراضيهم وقفًا شرعيًّا لمنع بيعها وانتقالها للآخرين.

- التشهير في المساجد والاجتماعات العامة وفي الصحف بمَن يتساهل في بيع الأراضي لليهود، ووصفهم بخيانة الأمة.

في عام 1933م عُقد مؤتمر لعلماء وفقهاء فلسطين أفتى فيه المجتمعون بتحريم بيع الأراضي لليهود، ووصف مَن يفعل ذلك بالخيانة للأمة، وقد انبثق عن المؤتمر تشكيل (جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، التي تأسست لها فروع في المدن والقرى تتولى فيما تتولى تقوية الروح الدينية والوطنية.

وعند تأسيس بعض أنصار الحركة الوطنية لـ(الحزب العربي الفلسطيني) عام 1935م كان الحاج أمين الحسيني بمثابة الزعيم الروحي للحزب، وكان للحزب قواعد شعبية أكثر مِن غيره مِن الأحزاب الفلسطينية الأخرى.

المفتي والإخوان المسلمين:

كان هناك تعارف وتبادل مراسلات بيْن المفتي والشيخ حسن البنا -رحمه الله- منذ عام 1927م، وعندما سعى البنا إلي نشر دعوته خارج مصر قام في عام 1935م بإرسال مبعوثين (هما: الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي، ومحمد أسعد الحكيم) إلى فلسطين وسوريا ولبنان، فاستقبلهما المفتي في القدس، وشملهما بحفاوته. وخلال الثورة الكبرى عام 1936م كان تأييد الإخوان الواسع لها في مصر أحد أسباب جذب انتباه الهيئات والأحزاب السياسية لمناصرة القضية الفلسطينية، هذا إلى جانب دور الإخوان المسلمين المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948م.

رئاسة اللجنة العربية العليا:

ترأس أمين الحسني (اللجنة العربية العليا) التي تألفت في 25 أبريل 1935م كقيادةٍ وطنيةٍ تشكلت مِن ممثلي الأحزاب الفلسطينية المختلفة وزعماء الحركة الوطنية، والتي كانت لها دورها الكبير في بداية الثورة الشعبية ثورة 1936م واستمرارها، وفي سبتمبر 1937م قررت سلطة الانتداب البريطاني في فلسطين حل هذه اللجنة، وقامت بمطاردة أعضائها واعتقالهم، ونفي البعض منهم؛ لذا قررت القبض على المفتي مما دفعه إلى مغادرة البلاد مرة أخرى فرارًا مِن السلطة البريطانية، فغادرها إلى بيروت حيث تابع إشرافه على إدارة الثورة الفلسطينية مِن هناك، وقد استمرت الثورة مشتعلة حتى مشارف الحرب العالمية الثانية، حيث قامت بريطانيا بالضغط على الحكام العرب لإثناء زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية عن الاستمرار في الثورة؛ مما ترتب عليه إضعاف الثورة حتى توقفت، وذلك بدعوى تمكين بريطانيا مِن مواجهة ألمانيا في الحرب مِن جهة، ولما أبدته بريطانيا مِن بعض التعاطف مع الفلسطينيين في الكتاب الأبيض الثالث الذي صدر عام 1939م.

زادت بريطانيا من ضغطها على فرنسا صاحبة الانتداب على لبنان لتسليمها الحاج أمين الحسيني؛ مما اضطره إلى الهرب سرًّا إلى العراق عام 1939م، ومنها إلى إيران، ومع دخول الإنجليز إيران مع القوات الروسية هرب الحسيني إلى تركيا.

التوجه إلى دول المحور:

مِن تركيا توجَّه أمين الحسيني إلى إيطاليا، حيث غلب على ظنه إمكانية الاستفادة مِن دول المحور -إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية- لعدائهما خلال الحرب العالمية الثانية لإنجلترا التي تطارده؛ فرأى أن دعم دول المحور القوي للفلسطينيين يُعد تأييدًا قويًّا للقضية الفلسطينية، فشعب فلسطين لم يكن قادرًا على الدفاع عن نفسه وحيدًا، فيحتاج إلى دعمٍ يأتي ممَن هو أقوى مِن بريطانيا -عدو الفلسطينيين-، ولم يكن في ذلك الوقت مَن هو أقوى مِن بريطانيا غير دول المحور: "ألمانيا وإيطاليا"، خاصة وأن انتصارات المحور في بداية الحرب العالمية الثانية تؤيد ذلك التوجه.

لقد كان انطلاق الحاج أمين الحسيني في سياسته لكسب ود ألمانيا ولإقامة علاقات معها مِن باب (عدو عدوك صديقك)، والاستفادة مِن التناقضات الدولية، فلم يكن توجه الحاج أمين الحسيني لدول المحور للمشاركة في القتال إلى جانبها، ولم يكن اعتناقًا للفكر الفاشي أو النازي، وإنما كان رغبة في تعاون مع دول المحور يخدم القضية الفلسطينية بتأييدها للفلسطينيين ضد بريطانيا، خاصة وأنه لا وجود استعماري -أو صدامي- لألمانيا -زعيمة المحور- في البلاد العربية.

وصل المفتي روما في منتصف النصف الثاني مِن عام 1941م حيث قابله الزعيم الإيطالي (موسوليني)، الذي رحب به وأبدى تعاطفه مع الشعب الفلسطيني.

الإقامة في ألمانيا:

رأى المفتي التوجه إلى ألمانيا؛ لأنها تتولى قيادة دول المحور مِن جهةٍ، ولكراهية هتلر للإنجليز ولليهود مِن جهة أخرى، وفي 8 تشرين الثاني 1941م ترك المفتي روما متوجهًا إلى ألمانيا بالقطار، حيث استقبله أدولف هتلر استقبالًا رسميًّا ورحب به، فمكث بها ثلاث سنوات ونصف سنة، مِن منتصف شهر أكتوبر 1941م إلى شهر مايو 1945م.

المفتي يستأنف نشاطه مِن ألمانيا:

في ألمانيا واصل أمين الحسيني نشاطه السياسي لخدمة القضية الفلسطينية، فأنشأ إدارة سُميت بـ(مكتب المفتي)، كان لها نشاط سياسي كبير للدفاع عن القضية الفلسطينية بمعاونة ألمانيا. وقد حصل المفتي على تعهدٍ مِن ألمانيا وإيطاليا في أبريل 1942م باعترافهما بالحرية والاستقلال للأقطار العربية الواقعة تحت الحكم البريطاني، ومنع إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.

البدء في تكوين جيش عربي:

سعى المفتي إلي تكوين نواة لجيش عربي للدفاع عن القضية الفلسطينية في المستقبل.

وفي 2 تشرين الثاني عام 1943م وافقت الحكومة الألمانية على إنشاء هذا الجيش العربي، ثم أعلنت مد هذا الجيش بالأسلحة الخفيفة، وبدأت مرحلة تدريب المجاهدين وتجميع السلاح، وكان قوام هذا الجيش العربي مِن العرب الموجودين في ألمانيا، ومِن عمال عرب كانوا في اليونان التي سقطت في يد الألمان، وكان أكثرهم مِن الفلسطينيين، حيث سمحت لهم السلطات الألمانية بالالتحاق بمركز التدريب بناءً على رغبة المفتي، ولكن تراجع ألمانيا في الحرب، ثم هزيمتها النهائية منع المفتي من تحقيق حلمه (راجع في ذلك: "صفحات مِن حياة الحاج أمين الحسيني" تأليف: عوني جدوع العبيدي، ص 134-157).

مغادرة المفتي لألمانيا:

لما اشتدت غارات طائرات الحلفاء على ألمانيا مع قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع إصابة الدار التي يقيم فيها المفتي، قامت السلطات الألمانية بنقله إلى منطقةٍ بعيدةٍ عن الغارات الجوية، وبعد فترة قرر الحسيني مغادرة ألمانيا إلى فرنسا، التي دخلها في عام 1945م، وفي فرنسا تعرض للاحتجاز في أحد السجون بالعاصمة الفرنسية.

وخلال هذه الفترة في فرنسا:

ضغطت الحكومة البريطانية على فرنسا لتسليم المفتي إليها، فرفضت الحكومة الفرنسية الطلب البريطاني؛ لأنه غير موافق للقانون الدولي، وأعلنت أن المفتي في حمايتها، وتحفظت عليه في مكانٍ أمينٍ قرب العاصمة، بعيدًا عن العيون.

قام اليهود بحملة متصاعدة لإلصاق تهمة تعاون الحاج أمين الحسيني مع النازية -المهزومة- خلال الحرب العالمية الثانية، والمطالبة بمحاكمته كمجرم حربٍ مع النازيين، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل.

اللجوء إلى القاهرة والإقامة بها:

في عام 1946م غادر الحاج أمين الحسيني فرنسا سرًّا إلى القاهرة -عبْر رحلة طويلة- فوجد فيها الترحيب والحفاوة، فكانت مستقره ومنفاه الاختياري.

وتوالت الأحداث القاسية التي وقعتْ بعد الحرب العالمية الثانية، وترتب عليها ضياع فلسطين، وإعلان إنشاء دولة إسرائيل، وتبني دعاة القومية العربية الدفاع عن القضية الفلسطينية مِن دون الفلسطينيين، وظهور الاستياء في كثيرٍ مِن الدول الغربية مِن لجوء الحاج أمين الحسيني إلى دول المحور خلال الحرب العالمية، فتسبب ذلك كله في عدم تمكنه مِن التأثير في الأحداث.

رئاسة المفتي للهيئة العربية العليا:

في عام 1945م أعيد تشكيل (اللجنة العربية العليا) نتيجة لتدخل الجامعة العربية، مع احتفاظ الحاج أمين الحسيني المبعد عن البلاد لرئاستها. ومع احتدام النقاش والاختلاف حول مَن يمثِّل فلسطين ويقود الحركة الوطنية الفلسطينية تم التوافق في عام 1947م على تأليف (الهيئة العربية العليا) مِن أربعة أشخاص، نصفهم مِن (اللجنة العربية العليا) والنصف الآخر مِن (الجبهة العربية) المؤلفة مِن رؤساء الأحزاب الفلسطينية وقيادات عمالية ومستقلة، على أن يتولى رئاستها الحاج أمين الحسيني بعد عودته مِن منفاه في فرنسا؛ ونظرًا لأن سلطة الانتداب البريطاني تمنع المفتي مِن العودة لفلسطين، فقد قام بعد عودته مِن فرنسا بتنظيم أعمال (الهيئة العربية العليا) مِن القاهرة.

وقد تقدمت اللجنة بطلبٍ إلى الجامعة العربية في أكتوبر 1947م للموافقة على إقامة حكومة عربية في فلسطين، ولكن الجامعة العربية رفضت الطلب، وجددت الهيئة الطلب في فبراير 1948م بعد صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود في نوفمبر 1947م، وتكرر رفض الجامعة.

تأسيس الجيش الوطني:

سعى المفتي الحسيني أثناء توليته للهيئة العليا العربية لتنظيم صفوف الفلسطينيين، وبعد صدور قرار التقسيم مِن الأمم المتحدة قام بتأليف جيش الجهاد المقدس بقيادة "عبد القادر الحسيني"، وطعمه بأولئك الذين قام عليهم الجيش العربي الذي أسسه في ألمانيا.

ولما دخلت جيوش الدول العربية حرب فلسطين عام 1948م، منعت الأردن جيش الجهاد المقدس مِن المشاركة الفعالة في الحرب، وقد أسفر دخول الجيوش العربية وقتها عن ضياع معظم فلسطين، نتيجة الاختلاف في الرأي، ونتيجة ما كان يمارس على الدول العربية مِن ضغوطٍ أوروبية لصالح اليهود الصهيونيين كما وقع في الهدنة الأولى للحرب، كما كان إخراج الفلسطينيين كطرفٍ أساسي مِن المعركة، وعدم تسليحهم التسليح المطلوب، وعدم الوقوف خلف حكومة لهم وطنية متفق عليها مِن أسباب وقوع النكبة، وتشريد ما يقرب مِن مليون فلسطينيي.

إنشاء حكومة عموم فلسطين:

في 23 سبتمبر 1948م اتخذت الجامعة العربية قرارها بإنشاء (حكومة عموم فلسطين) برغم المعارضة الأردنية، على أن يترأسها: (أحمد حلمي باشا) وليس المفتي أمين الحسيني، تفاديًا للتحفظات التي أثيرت حول المفتي مِن بعض الدول الأوروبية والعربية؛ بسبب اتصاله بألمانيا خلال الحرب العالمية، ولكن هذه الحكومة لم تجد الدعم المادي والمعنوي المطلوب، بل وتجمد نشاطها في عام 1952م.

رئاسة المفتي للمجلس الوطني الفلسطيني:

في المؤتمر الشعبي الفلسطيني الوطني الذي عقد في غزة في 30-9-1948م لإضفاء الشرعية على حكومة عموم فلسطين تم الإعلان عن إنشاء المجلس الوطني، واختيار المفتي أمين الحسيني رئيسًا له، وقد أعلن المجلس عن ثقته في حكومة عموم فلسطين لإصباغها بالصبغة الشعبية. وقد جمدت الجامعة العربية أعمال حكومة عموم فلسطين مِن عام 1952م، وانتهى وجودها رسميًّا بوفاة رئيسها: (أحمد حلمي باشا) في عام 1963م.

حضور مؤتمرات للدعوة للقضية الفلسطينية:

لم يدخر المفتي جهدًا في حضور المؤتمرات والقيام بزياراتٍ للدول العربية والإسلامية دفاعًا عن القضية الفلسطينية، إذ كان هذا آخر ما في جعبته ليقدمه لوطنه وأبناء وطنه.

فمِن ذلك:

- ترأسه في عام 1951م لمؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في كراتشي بحضور 45 دولة عربية وإسلامية.

- ترأسه مؤتمر (العلماء المسلمين) في عام 1952م المنعقد أيضًا في كراتشي، والذي حضره عددٌ كبيرٌ مِن علماء المسلمين.

- في عام 1955م حضر مؤتمر (باندونج) على رأس وفدٍ فلسطيني، فكان لحضوره أثره في بحث المؤتمر للقضية الفلسطينية، واتخاذ قرارات بصددها.

- في عام 1956م زار المملكة الليبية، وتجول في الكثير مِن المدن الليبية، منها: طرابلس، وبنغازي، والبيضاء، وطبرق، ودرنة، وجغبوب.

- وفي عام 1959م انتقل مِن القاهرة إلى بيروت واتخذها مقرًّا لنشاط (الهيئة العربية العليا).

- في عام 1961م زار الهند لحضور حفل افتتاح (الجمعية الإسلامية) في مدينة (سورت)، حيث وضح للشخصيات الإسلامية التي حضرت الافتتاح معاناة الفلسطينيين.

كما زار في نفس العام كراتشي، وزار الحجاز وأدى فريضة الحج، وزار المغرب تلبية لدعوة ملكها فاستقبله بحفاوة، وزار كبريات مدن المغرب، ومنها: فاس وطنجة والرباط والدار البيضاء وتطوان وغيرها، كما زار الجزائر على رأس وفد فلسطيني تلبية لدعوة حكومتها احتفالًا بعيد استقلالها.

- في عام 1962م رأس مؤتمر العالم الإسلامي الذي انعقدت دورته الخامسة في بغداد، وحضره مندوبون عن 37 قطرًا إسلاميًّا، وأعيد فيه انتخابه رئيسًا للمؤتمر، واشترك في مؤتمر (الرابطة الإسلامية) المنعقد في مكة أثناء الحج بوصفه أحد مؤسسي هذه الرابطة، كما زار ماليزيا بدعوةٍ مِن حكومتها ليرأس المؤتمر الإسلامي لمسلمي الشرق الأقصى.

- في أواخر عام 1964م رأس مؤتمر العالم الإسلامي الذي عقد دورته السادسة في (مقاديشيو) عاصمة الصومال.

- في أبريل 1965م رأس اجتماع المجلس التنفيذي لمؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في مكة.

- في مارس 1967م زار القدس، وصلى بالمسجد الأقصى وقابل الملك حسين ملك الأردن.

- في سبتمبر 1967م رأس الدورة الطارئة لمؤتمر العالم الإسلامي في (عمان) الخاصة بالقضية الفلسطينية، للنظر في كارثة احتلال إسرائيل للقدس وبقية فلسطين في حرب يونيو 1967م.

- في عام 1968م حضر مؤتمرًا دوليًّا إسلاميًّا عقد في باكستان في مدينة (روالبندي)، وقد رأس الجلسة الأولى للاجتماع العام، وألقى محاضرة في الجلسة الثانية حول (الأساس الإسلامي للتعاون الإسلامي).

الزيارة الأخيرة للقدس:

حاول المفتي مرارًا العودة إلى فلسطين أو الإقامة في غزة طوال الخمسينيات، ولكنه مُنع مِن ذلك، خاصة بعد عقد هدنة (اتفاقية رودس) بيْن مصر وإسرائيل، رغم إشراف مصر على قطاع غزة.

وقد قام الحاج أمين الحسيني بزيارةٍ لمدينة القدس في مارس 1967م -قبل اندلاع حرب يونيو 1967م- حيث صلى في المسجد الأقصى، وقابل الملك حسين -ملك الأردن- الذي استقبله ورحَّب به، حيث كانت الأردن تشرف على القدس والضفة الغربية، فكانت زيارته الأخيرة لها، حيث توفي -رحمه الله تعالى- في الرابع مِن يونيو 1974م.