سعيد محمود - الثبات (2) أسباب التراجع عن الثبات (1) - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-02-05 16:33:01

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى أهمية الثبات مِن خلال مقدمة الموعظة السابقة: (دليل على سلامة الشخصية مِن التقلب والاضطراب - دليل على سلامة المنهج).

- التنبيه على أن الثبات على التزام تعاليم الدين أمر شاق في هذا الزمان، ولكن أجره عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني).

- الإشارة إلى أن أسباب التراجع عن الثبات تتلخص في جانبين:

الأول: أسباب داخلية، وهي المتعلقة بالإنسان نفسه (أمراض قلبية ونفسية وسلوكية).

الثاني: أسباب خارجية، وهي المؤثرات الخارجية على الإنسان (الفتن والمحن ونحوها).

أولًا: الأسباب الداخلية:

(1) التخوف على النفس:

المقصود بذلك: أن الشيطان يوسوس بأن الثبات على الدين مخاطرة عظيمة، ويلِّبس عليه بأن له أبوابًا مِن الخير يقوم بها؟ (الصلاة - الصدقة - العمرة - ...) فلا تعرض نفسك للخطر بالمشاركة في الأعمال الإصلاحية الأخرى، مِن باب قوله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195)، فيجنح الى الانزواء ثم التراجع.

- الأقدار مقدَّرة ولن يغير التخوف شيئًا: قال الله -تعالى-: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- لا مقارنة بيْن ألم الابتلاء في الدنيا، وألم التقصير والجبن عن العمل لدين الله في الآخرة: قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:10).

- الثابتون الصادقون يتندمون على فوات أجر الشهادة في سبيل الله: عن أبي الزناد: "أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لما احتضر بكى، وقال: لقيتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

(2) التخوف على الأهل والولد:

- هذا خاطر شيطاني يجول بقوةٍ في أذهان كثيرٍ مِن الناس، فيؤدي بهم إلى التراجع، فتجد كثيرًا مِن هؤلاء دائمو الاعتذار عن المشاركة في الأعمال الإصلاحية، بتأويل خاطئ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)؛ لأنهم دائمًا يخافون مِن آثارها على الأهل والولد فيما يتصورون مما يوسوس به الشيطان.

- تقديم الأهل والولد على العمل للدين، أو البذل لأجله، هو الهلاك والفتنة: قال -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (الأنفال:28)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

- التراجع عن البذل للدين بظن أنه حفظ للأهل والولد، خلل في فهم قضية الدين: ذكر أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" عن أبي سعيد الواسطي قال: "دخلتُ على أحمد الحبس قبْل الضرب، فقلتُ له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور، كأني أسهِّل عليه الإجابة. فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت!".

- لا تقلق على أهلك وأولادك إن حفظت دين الله وبذلت مِن أجله: قال -تعالى-: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء:9)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (احفَظِ الله يَحْفَظْكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:64).

- بل الله يحفظ أهلك وولدك بعد موتك بصلاحك في حياتك: قال -تعالى-: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) (الكهف:82)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) (رواه البخاري ومسلم).

(3) التخوف على الوظيفة والمنصب والمال:

- المقصود بذلك: أن الشيطان يسوِّل لكثيرٍ ممَن كانوا بالأمس يعملون ويبذلون لأجل الدين، أن البقاء على ذلك سيكون سببًا في ضياع المال أو الوظيفة المرموقة التي تحصل عليها، لاسيما إذا كان السمت الديني يتعارض مع ذلك فيما يظن ويتوهم.

- صورة مؤسفة: (أحدهم كان شعلة مِن الحماس والعمل للدين، فلما ترقى في الوظيفة تغيَّر تغيرًا شديدًا، كل ذلك لأجل انتظاره ترقية أكبر حتى صار يغير مِن ظاهره الكثير، ويترك الصلاة في مساجد السُّنة، الذين كان واحدًا منهم!).

- إنها حسبة خاطئة وتقدير مهلك: قال -تعالى-: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:16-17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) (متفق عليه).

- أين أنت مِن هؤلاء؟!: عن علي بن أبى طالب -رضي الله عنه- قال: (جئت المسجد فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه" (أخرجه أبو يعلى).

وعن ابن عبد الرحمن بن عوف قال: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي!" (رواه البخاري).

وللحديث بقية مع بقية الأسباب -إن شاء الله-.

نسأل الله الثبات حتى الممات.