حسني المصري - تأملات في الدعوة - بوابة الفتح الالكترونية
حسني المصري
2019-06-03 17:57:03

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدعوة إلى الله في جانبٍ مهمٍ منها هي فن توصيل الفكرة المراد توصيلها بأقصر طريق، بحيث يخاطب الداعي فيها عقل المدعو وقلبه، ليصل به إلى الاقتناع بفكرته وميل قلبه لها، والداعي إلى الله ينبغي أن يتحلى بنوع مِن الذكاء الاجتماعي الذى يمكِّنه مِن استكشاف حاجة المتلقين، والطريق الموصل للتأثير عليهم، والأمور الأكثر إلحاحًا في حياتهم؛ ليعالج ذلك منطلقًا مِن فهمه للكتاب والسُّنة بما يناسب حالهم، وعملية إلزام الداعي بموضوع واحد يتحدث فيه الجميع في آنٍ واحدٍ، تحوله إلى مجرد ناقل لا يشعر بالمعاني التي يرددها على مستمعيه، ولربما كان ذلك سببًا في الانفصال القلبي والعقلي بين الجمهور وبينه.

فإذا ما أضفنا إلى ذلك: اختلاف الوقائع والأحداث مِن مكانٍ لآخر، مع تباين بيئات المتلقين من ريف وحضر، أو بيئات يكثر فيها المتعلمين أو المثقفين وبيئات أخرى لا يتوفر بها مثل ذلك؛ كل هذا يجعل مِن الموضوع الواحد أشبه بواجبٍ إلزامي يؤديه الداعي والمدعو لينصرف الكل دون أن يضيف جديدًا لنفسه وطريقة حياته -وهذا للحق ليس على إطلاقه فإن الموضوع قد يناسب فريقًا مِن المتلقين أو بيئات دون أخرى، وقد يؤديه الداعي بإتقان لمناسبته لتوجهه وحاله-.

ولأن الاحداث متسارعة جدًّا، والتطورات العلمية جعلت المعلومات متاحة للجميع: فكذلك ينبغي على الداعي أن يلاحقها، وأن يكون مستعدًا دائمًا بمعلوماته الشرعية للحديث في الموضوعات المختلفة، فقد يتفاجأ مثلًا بوجود جنازة بالمسجد الذي يلقي فيه خطبته، ولربما كانت الجنازة ناتجة عن واقعة قتل، أو لربما نشبت معركة في محيط المسجد الذي يذهب إليه وأدت إلى وقوع إصابات بين الجيران أو أن المسجد الذي سيذهب إليه في بيئةٍ ذات كثافة سكانية مرتفعة، ونسبة الشباب بها عالية، والبطالة فيها مشكلة تؤرق الأهل والشباب، أو يكثر بها تعاطي أو بيع المخدرات أو لربما كانت البيئة المحيطة مِن البيئات الراقية أو التي تلقت نوعًا مِن التعليم العالي أو لها مراكز مرموقة في المجتمع، وعندهم مِن مشكلات الطلاق أو الاختلاط وما يؤدي إليه، أو تعاطي الأبناء لأنواع المخدرات أو مشكلات الإسراف في المظاهر أو الأموال.

وإذا ما ضممنا إلى ذلك إتاحة كل المعلومات عن كل شيء ممكن للإنسان أن يفكر به؛ تصبح مهمة الدعوة إلى الله في هذه الأحوال تحتاج إلى إعادة نظر ليكون الداعي ملاصقًا لبيئته ومجتمعه متعايشًا معهم شاعرًا بمشكلاتهم متألمًا لألآمهم، مشاركًا لهم في مناسباتهم، عالمًا بحاجاتهم وكيفية معالجتها برفقٍ وعطفٍ وحبٍّ كي يقبلوا منه ويسعوا في تطبيقه.

ومِن هذا المنطلق: نستطيع القول بأن الدعوة إلى الله وإن كانت هي أشرف الوظائف؛ لكونها مهمة الأنبياء وأتباعهم إلا أنها تحتاج لنوعٍ مِن الضبط والفقه والمعرفة مع إتاحة مساحة من الحرية للداعي إلى الله ليؤدي وظيفته التي اختاره الله لها بالطريقة التي تجعل لكلماته أثرًا بارزًا في بيئته ومجتمعه طالما كان ذلك منطلقًا مِن الفهم الصحيح للكتاب والسنة.

وهنا قد يتمكن المجتمع مِن معالجة مشكلاته المتعددة والمختلفة مِن مكان لمكان، ومن فئة عمرية لغيرها كما أننا بذلك نجعل للداعية مكانًا ومكانة، مكانًا يستطيع التأثير فيه بإيجابية، ومكانة في قلوب متلقيه تمكِّنه مِن تغيير الواقع إلى واقع نرجوه جميعًا؛ ذلكم لأن الانحراف الفكري بجميع نواحيه لا يمكن معالجته بخطبة نمطية، وداع أشبه بمذياع، بل لربما كان هو ممن يحتاج إلى تصحيح لبعض أفكاره المغلوطة.

كما أن الشباب وهم أكثر مَن ينجرفون مع تيار الانحراف الفكري بنواحيه إلى أقصى اليسار أو إلى أقصى أقصى اليمين؛ هؤلاء الشباب يعانون مِن فقدان الثقة في أكثر ما يسمعونه أو يشاهدونه، وتلك أزمة أخرى؛ ولذلك فهم في حاجة إلى دعاة أولًا يستطيعون الوصول إليهم ثم يفهمون ما يدور في خلدهم، ويكون لديهم الأسلوب الذي يستطيعون به الدخول إلى عمق افكارهم وعواطفهم لتفكيك ما علق بعقولهم الغضة مِن انحراف فكري هنا أو هناك.

وعليه فإننا ينبغي أن نعيد النظر مرة أخرى في أمور الدعوة والداعية لنضع الأمور في نصابها الصحيح، ولكي تستقر مجتمعاتنا التي أصبحت تغلي مراجلها في كل ساعة، بل في كل لحظة، سائلين الله -عز وجل- أن يحفظ بلاد المسلمين، وأن ينجينا مِن كيد الكائدين وتدبير الحاقدين.

والحمد لله رب العالمين.