د. بسام الزرقا - المصطلحات ... صراع وتجاذبات - بوابة الفتح الالكترونية
د. بسام الزرقا
2014-04-09 10:03:00

خلق الله الانسان ومنّ عليه بإعطائه القدرة على البيان، ألفاظ تخرج من الفم تنقل المشاعر والآمال وتعلم الطرق وتنقل الخبرات وتميز بالبيان الإنسان على سائر الحيوانات، تنبه لذلك فلاسفة اليونان فنظروا للإنسان باعتباره حيوان لكنه ناطق. البيان كلمات لها معان ودلالات بها يتواصل البشر فيبنون الحضارات ويشنون الغارات، كل هذا من خلال كلمات بعضها يصير جامع ذو شأن إنها المصطلحات، كلمات .. لكنها ليست ككل الكلمات، إنها مدمجة بكثير من المعاني والإيحاءات، تأمل على سبيل المثال كلمة كفر أو إسلام أو حضارة أو استعمار كلمة واحدة نعم، ولكنها تحتاج لفيض من الكلمات إن إردت استبدالها بغيرها.

كل كلمة تمثل مصطلحا فهي منظومة متكاملة من المعاني؛ فبدلا من بذل وقت وجهد كبير في تحصيل جذورها يتم تحصيل ذلك في وقت قصير من خلال ترتيب عدد بسيط من الحروف، ولهذا هناك في كل علم وفن بل وحرفة مجموعة مصطلحات أساسية لا يمكن المضي قدما فيها بدون إدراك هذه المصطلحات، بل حتى الألعاب فبدون مصطلحات مثل: (فاول، بلنتي، أوفسايد، جون...إلخ) لن يعلق معلق أو يدرب مدرب.

وهنا تبرز خطورة المصطلحات فكما هي هادية لدقة الفهم قد تستخدم للتضليل والخداع، خصوصا لو كانت مصطلحات تتعلق بأمور أساسية في حياة الإنسان مثل الدين، وفي هذا يقول الصادق المصدوق، خير من مشي على الأرض، صلى الله عليه وسلم: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه" وفي رواية : "يسمونها بغير اسمها" حديث صحيح، وأنا أكتب هذا الحديث تذكرت الشيخ إياه مع المذيع إياه عندما أخذ يحاول بيان حقيقة أن الويسكي التمام والشامبانيا الفاخرة والفوديكا المذهلة ليست من الخمر، إنما الخمر هو ما صنع من النبيذ والعنب فقط فتخمر وأخرج الكحول المسكر، أما إذا خرج نفس الكحول المسكر بتمامه من البصل أو التفاح أو غيره فالحكم غير الحكم، من سار على هذا الدرب وصل؛ فالربا حرام حرام حرام، أما لو أصبح اسمه فائدة فهو حلال حلال حلال، وتعري المرأة سواء كان بالبلدي أو بالأوروبي (الباليه) فهو فنٌ، قد تنال المبدعة فيه لقب الأم المثالية.

لهذا تجد الاهتمام بالمصطلحات في دين الإسلام ضخما جدا حتى في مجرد أسماء قد لا نستشعر لها كبير أهمية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأي تحريف لمصطلح فيقول: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه، إنما هي العشاء، وإنما يسمونها العتمة لأنهم يعتمون بالإبل) حديث صحيح، ويقول طلحة: (لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي) حديث صحيح.

فتأمل أيها القارئ الكريم كيف يهتم الإسلام بأدق المصطلحات سواء كان في مصطلح يخص زمان أو مكان أو حالة نفسية، فما بالنا بمصطلحات محورية مثل الكفر والإيمان، مصطلحات تنشب فيها معارك الآن من قوم يطلقونها على من لا يستحق وينفونها عمن هم بها أحق، وللأسف هذا مجال أشرس المعراك الفكرية القادمة في مصر، وهي معارك ستشارك فيها فرق وتكتلات جهلاء وعلماء المسلمين من جهة، والعلمانين والخوارج من جهة أخرى .. وقى الله شبابنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وهناك باب آخر من أبواب استغلال المصطلحات ألا وهو التهويل! كرجل دخل مطعم فاخر باهظ التكلفة، جاءته قائمة الطعام فوجد أسماء لوجبات أسماء لا يعرفها أمامها أثمان على سبيل الدعابة مثلا (حبظلم إستيك) فيطلبه فإذا هو لحم مشوي أو مقلي أو بالصوص، لو وضع اسمه على الحقيقة فسيبدوا الثمن مبالغ فيه هون يهول الاسم.

وابن تيمية يوضح أثر ذلك في تعديل الأفكار حيث يقول عن أصناف من الفلاسفة: (عمدوا إلى ألفاظ مجهلة مشتبهة تحتمل في أنحاء الأمم معاني متعددة، وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منها في لغات الأمم، ثم ركبوها، وعظموا قولهم، وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولاريب أن فيها دقة وغموضا لما فيها من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب، وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته، فأخذ يعترض عليهم، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل)).

وعلى نفس المنوال تساق النساء على عكس طريق الحشمة والستر بمصطلح الموضة ويساق المجتمع نحو التغرب بنزيف مصطلحات مثل حقوق الإنسان والحضارة، فهل أنت مع ظلم الإنسان أم أنت مع التخلف والرجعية؟!.

إنها حرب مصطلحات في الدين والاجتماع وأيضا في السياسة فهناك شرعية ومشروعية وشرعي وأمر واقع وثورة وانقلاب و...و....

 يقول ابن القيم: (أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجهولة التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها من يريد حقها لينكرها من يريد باطلها، فيرد عليه من يرد حقها، وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب، وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف).

خير الكلام: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوْحِيْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوْرًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوْهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُوْنَ} (الأنعام:112).