م. عبد المنعم الشحات - من دروس رمضان (1) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فشهر رمضان موسم من أهم مواسم الطاعة التى يأخذ منها المسلم زادا لعامه كله، وقد  شرع الله فى هذا الشهر أعمالا تخصه من واجبات لا تجب إلا فيه، أو مستحبات تتأكد فيه أكثر من غيره؛ فرمضان بحق فرصة للتزود من جميع أنواع الطاعات؛ ففيه الصيام الواجب، وهو شهر القرآن، وشهر الجود والكرم، وتكتسب صلاة قيام الليل فيه صفات أخرى أبرزها أنها تشرع فيها الجماعة كما يشرع فيه الاعتكاف، وقطع العلائق وحتى الحج؛ فيشرع فى رمضان عبادة من جنسه وهى العمرة، وتشرع بنهايته صدقة خاصة هى صدقة الفطر، وصلاة هى أجمع صلاة للمسلمين وهى صلاة العيد.

وهذا هو المعنى الصحيح لكون رمضان موسم لطاعة الله عز وجل، أى أنه موسم يزداد فيه ما يؤديه العبد من طاعات، إما لوجوبها أو لزيادة ثوابها؛ مما يحفز الهمم لفعلها مع بقاء أصل الطاعة هى "وظيفة العمر" التى لا تتخلف فى رمضان ولا فى غيره، مصداقا لقوله تعالى: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".

وهذا الموسم المشحون بالطاعات يستفيد العبد منه على محاور ثلاثة:

الأول: أنه يغسل عن العبد ذنوبا قد مضت.

كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى المعنى الأول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر".

و قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

و قال: "من قام مضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

و قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

الثانى: يعطيه زيادة فى إيمانه تمثل زادا فى باقى العام.

كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".

الثالث: أن هذه العبادات تؤثر فى سلوك صاحبها؛ فيخرج بسلوك أقوم كما جاء فى الحديث : "الصوم جنة"، و كما قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه".

وثمة محاور أخرى أكثر عمومية:

-         منها استحضار هذا العدد من التشريعات فى فترة وجيزة تملأ نفس صاحبها معرفة بأسرار التشريع وحكمه؛ فيتعرف العبد على معنى أن المشقة تجلب التيسير، وأن من مقاصد البعثة تميز المسلمين ظاهرا وباطنا عن غيرهم، إلى غير ذلك من الدروس.

-         ومنها دروس عامة تستفاد من مجموع الشهر، منها أهمية الوقت لا سيما الأوقات الفاضلة، ومنها أن كيفية توظيف رمضان فى عودة الكثير ممن ابتعد قبل رمضان، ومنها تذكر فضل الصحابة فى نقل الشرع إلينا، وهو فضل عام يزداد وضوحا ورسوخا فى هذا الشهر.

وسوف نتناول فى خلال هذا الشهر أطرافا من مجموع هذه الدروس، وكنت قد كتبت حول بعض هذه الدروس لكني أردت إعادة نشرها تذكرة لنفسى وإخوانى، على أن نتناول فى العدد القادم دروسا أخرى تتعلق ببعض المحاور التى أشرنا إليها، والآن مع هذه الدروس الثلاثة:

-         جواهر الثلج:

-         أيها الزائر الرمضانى أنت صاحب بيت.

-         فضائل أبى هريرة الرمضانية.

 

جواهر الثلج

يحاول التجار دائما أن يشتروا بضائعهم بأفضل سعر ممكن، وأن يبيعوها بأعلى سعر ممكن؛ ليحصلوا على أعلى ربح ممكن، وبين الشراء والبيع يعيش التاجر في كبد ومشقة، بين حسابات المكسب والخسارة، وكلما كان الشراء والبيع موسميا كلما ازداد الخطر وعظم الخطب على التاجر.

وبين أيدينا مثل لتجارة ليست ككل التجارات، تجارة لا يحصل فيها التاجر على بضاعته بالشراء ولا حتى بالتصنيع وإن كان فيه شبه منه، إن التاجر في مثلنا لديه آلة تعمل تلقائيا وتنتج له جواهر ثمينة، ولكنها في ذات الوقت جواهر من ثلج سريعة الذوبان، فإذا ذابت زالت قيمتها تماما، وفي كلٍ يوجد عرضان للشراء، أولهما تباع فيه تلك الجواهر الثلجية بجواهر ثابتة لا تذوب ولا تتغير، ولكن هذا البيع يحتاج من البائع شيئا من الجهد والسعي حتى تتم الصفقة، وتسليم تلك الجواهر الثابتة لا يكون فوريا في معظم الأحيان وإن كانت مضمونة بأوثق ضمان.
 
 وأما العرض الثاني، فتباع فيه هذه الجواهر بأخرى ثابتة براقة، لونها لون الذهب والياقوت، وريحها ريح المسك، ولكنها سريعة التغير يذهب لونها المتلألئ ويحل محله لون أسود مرباد متسخ، ويذهب ريحها الطيب ويحل مكانه ريح منتنة وهى فوق هذا سامة، كما أن لها أثرا عجيبا في إفساد الجواهر الحقيقية الثابتة، والبائع يعرف في كثير من الأحيان حال هذه الجواهر الخادعة.
 
ترى ما رأيك فيمن يبيع جواهره الثلجية بتلك الجواهر الخادعة السامة؟! أو حتى في ذلك الذي يقف مكتوف الأيدي وآلته تنتج جواهره، ثم يتركها تذوب بدلا من أن يحولها إلي جواهر ثابتة كسلا أو زهدا في تلك الجواهر الثابتة لأن قبضها مؤجل؟!
 
وثمة أمر آخر، وهو أن هذا التاجر يعلم أن آلته سوف تتوقف في لحظة ما وفجأة دون سابق إنذار.

أخي الحبيب، إن هذا المثل وإن كان خياليا إلا أن الواقع أخطر بكثير من هذا الخيال، إن هذا المثل هو مثل الإنسان في هذه الحياة الدنيا، تتوالى أنفاسه، لا يملك أن يوقفها أو أن يؤجلها، وكل نفس منها جوهرة ثمينة سريعة الانقضاء، فإذا كانت في المباحات فلا أجر ولا وزر، وإن كانت في الطاعات فسوف يعطى بها غرسا في الجنة وبيوتا في الجنة وأنهارا في الجنة، وكل ذلك من الذهب والفضة والياقوت واللؤلؤ، فضلا عما يعجل له من ذلك من طمأنينة القلب وسعة الصدر.
 
وإن كانت في المعصية فهي سبب لدخول نار تلظى يلقى فيها من العذاب والسموم والنار والحميم، فضلا عما يعجل له في الدنيا من ضيق الصدر واضطراب القلب.
 
وإذا تأملت في هذا المثل فاعلم أن كل جزئية من جزئياته قد دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف رضي الله عنهم قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان: 62) وقال الحسن رحمه الله: "ما مر يوم على بن آدم إلا قال له ابن آدم إني يوم جديد، وعلى ما تعمل في شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود إليك أبدا".
 
وقال بعضهم لمن قال له: قف أكلمك، فأجابه بقوله: "أوقف الشمس" لعلمه أن عداد الأنفاس لا يمكن إيقافه، وقال بعضهم: "يا بن آدم، إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل".
 
وقال صلى الله عليه وسلم مبينا قيمة اللحظة الواحدة من حياة الإنسان: (من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) (رواه الترمذي وصححه الألباني)، وفي المقابل قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار) (رواه الترمذي وصححه الألباني وأصله في الصحيحين).     
 
وقد عبر البعض عن شرف الوقت بقوله: "الوقت من ذهب"، فعل

بعض الدعاة على ذلك وقال: "بأن هذا عند أهل الدنيا الذين لا يرون فيها ما هو أغلى من الذهب، ولكنه عند من ينظر إلى أبعد من ذلك هو الحياة".
 
وأما أنه رغم نفاسته سريع الزوال فشبهه بعضهم بالثلج، وانظر إلى ذلك الرجل الذي يمشى في السوق كما نمشى، ويستلفت نظره ما يستلفت نظرنا، إلا أنه يستلفت بصيرته ما لا يستلفت بصيرتنا، فقد رأى بائع ثلج في السوق بعد العصر وقد أشرف السوق على الانتهاء ولم يبع بعد بضاعته، فأخذ يصيح في الناس لكي يشتروا بضاعته قبل أن تفنى قائلا: "يأيها الناس، ارحموا من يذوب رأس ماله"، فتذكر صاحبنا رأس ماله الأهم في هذه الحياة الدنيا وتجارته الأخطر وهى تجارة الأنفاس، وتذكر تلك السورة الجامعة التي لخصت ذلك كله فيقول رحمه الله: "تعلمت تفسير سورة العصر من بائع ثلج بنيسابور، وقف في السوق بعد العصر صائحا: يأيها الناس، ارحموا من يذوب رأس ماله".
 
سورة العصر تلك السورة التي أقسمت بالعصر الذي يعيشه الإنسان لبيان شرفه وخطورته، ثم بينت أن جنس بني الإنسان في خسارة - أي في تجارة الأوقات - ثم استثنت من جمعٍ خصالا أربعا هي: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
 
كما بين الله تعالى أن هؤلاء الخاسرين إنما انشغلوا بالعاجل رغم تفاهته وسرعة انقضائه؛ لكونهم لم يوطنوا أنفسهم على انتظار الآجل رغم شرفه وبقائه فقال عز وجل: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: 16، 17)، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معظم البائعين يخسرون عن عمد لكونهم لا يتحملون مشقة البيع الرابح حين قال: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) (رواه مسلم).
 
 وإذا تأملت هذا المثل جيدا علمت مقدار الغبن والخسارة التي يقع فيها المضيع وقته في المباحات، فضلا عمن يضيعه في المعاصي، كما قال صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) (رواه البخاري).
 
وإذا علمت هذا فاعلم أن جواهر العمر الثلجية رغم أنها كلها جواهر إلا أن بعضها أشرف من بعض، وأن ما يقابلها من جواهر وقصور وجنان أخروية تتناسب مع شرفها وفضلها؛ ولذلك فحرى بالعاقل أن يهتم بكل جوهرة من جواهر حياته، أعني بكل نفس من أنفاسه، لا سيما في الأوقات الفاضلة التي تتضاعف فيها الحسنات وكذلك السيئات، ومنها العشر الأول من ذي الحجة كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) (رواه البخاري).
 
 فنسأل الله أن يعين جميع المسلمين فيها وفي سائر أوقاتهم على طاعته، وأن يدخلهم جنته ودار كرامته!    
 

أيها الزائر الرمضاني أنت صاحب بيت

المساجد بيوت الله في أرضه، وهي أيضًا بيت كل تقي، كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي بيت الله الذي أمر المؤمنين ببنائه لكي يستقبل الراغبين في الفوز الإلهي الذي يقذفه الله في قلوب المؤمنين، لا سيما الزائرين لهذه البيوت، كما قال تعالى بعد بيان جمال وروعة نوره في قلب عبده المؤمن: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 37].
 
ومن ثم صار المسجد بيت كل تقي، فمن كثرة ما يزور المسجد صار كأنه بيته أكثر من بيته الذي يؤويه هو وأسرته، وهو فضلًا عن ذلك يشعر بمسئووليته تجاه تعمير المسجد بالذكر والصلاة أكثر من غيره، وبالإضافة إلى أنه لا بد لكل مسجد من قائمين على أمره يستنون بسنة أبويهم إذ قال الله لهما: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج : 26].
 
الحاصل أنه لا بد لكل مسجد من روَّاد يحافظون على الصلاة فيه، ولا بد من قائمين على أمره والإصلاح من شأنه، وأما من عدا هذين الصنفين من الناس فهم في عُرْف أنفسهم فضلًا عن عُرْف غيرهم زائرين حقيقيين، ليس لهم أن يشاركوا برأي ولا مشورة ولا غيرها، والغالب على هؤلاء أن يكونوا زائرين للحي أصلًا؛ لأن كل ساكن للحي ممن مَنَّ الله عليه بالمحافظة على صلاة الجماعة،  فلا بد وأنه سيكون من رواد مسجد ما.
 
ولكن الأمر في رمضان  يختلف حيث يكثر الزوار من أبناء الحي الذين قرروا المحافظة على صلاة الجماعة  في رمضان، ومن ثَمَّ يختار كل واحد منهم مسجدًا من مساجد الحي لكي يحيا ضيفًا عليه في شهر رمضان.
 
وكم أتمنى لو كان قرار هؤلاء الزوَّار بالمحافظة على صلاة الجماعة قرارًا استراتيجيًا لا موسميًا، وأن يعزموا على صلاة الجماعة طوال حياتهم.
 
ولذلك فنحن نوجه الدعوة  إليهم وإلى القائمين على المساجد على حد سواء أن يكون التعامل مع الضيوف الرمضانيين على أنهم من روَّاد المسجد، وأن يستثمر شهر رمضان  في دمجهم في المسجد، وربطهم بدروسه وخطبه وإيجاد الأخوة مع أهل المسجد.
 
بيد أن هناك طائفة من الزائرين يزداد طموحنا إلى جعلهم من القائمين على أمر المسجد، وليس مجرد رواد المسجد، وهم الذين كانوا في يوم من الأيام من القائمين على المسجد، ثم ابتعدوا عن هذه الرسالة السامية، ولا شك أن القائمين على أحوال المساجد هم أعلم بمن كان معهم، وربما كان قبلهم ثم ابتعد، وكثيرًا من هؤلاء يأخذه الحنين في رمضان لا سيما مع تصفيد الشياطين لكي يعود إلى مسجده، ولكنه غالبًا ما يفضل أن يعود زائرًا، بل زائرًا خفيفًا كما يقولون، فتجده في زاوية من زوايا المسجد في صلاة القيام، إذا جلس ضم ضلوعه إلى بعضها، كأنما يريد منها أن تدفن معه سره، فلا يلتفت أحد إلى أن هذا فلان الذي كان هنا يومًا من الأيام، عيناه تعانقان المكان تتفحصان ما زاد وما نقص، فإذا اصطدمت بعيني من يعرفه ردهما إلى الأرض، يرى الأمر الذي لا يعجبه تتحرك شفتاه بالاعتراض أو التوجيه، بينما لسانه ما زال ساكنًا، وقلبه المتردد يعقد شفتيه على لسانه مرة أخرى.
 
أخي العائد استثمر الشهر الكريم، وعُدْ بقوة، ولا تختر تلك الزاوية البعيدة من المسجد، ولكن عُد إلى حيث المسابقة على الصف الأول، تصرّف وكأنك صاحب بيت، فأنت بالفعل كذلك، اسأل عما تفتقده من نقص، وحبذا لو عرضت على القائمين أن تُتِمَّه: أين المجلة الرمضانية؟ أين المشروب الرمضاني المثلج؟ أين المشروب الساخن للقارئ؟ بل أين القارئ الاحتياطي؟ أين..؟ أين..؟
 
 ربما تسمع ما لا يسرك أو تجده في أعين الآخرين .. لا بأس، ونسأل الله لهم الصبر، فإعادة تثبيت عضو في مكانه من الجسد عملية ليست سهلة، ولكنها في النهاية تستحق كل ما يمكن تحمّله في سبيله من آلام!
 
إن فاتك ذلك فلا يفوتك الاعتكاف وفي مسجدك الذي كنت في يوم من الأيام من القائمين عليه، أنت بالذات أستحلفك بالله إذا مَنَّ الله عليك بالاعتكاف فليكن في بيتك الأول، عشرة أيام كفيلة بأن تعيد تثبيتك في مكانك.
 
فإن فاتك ذلك فلا تفوتك صلاة العيد؛ حيث الأعمال كثيرة، والساحة تتسع لكل مشارك، احمل مكنسة، أو علق لوحة، أو حتى شجع من يفعل ذلك، وبعد الصلاة تقدم بمقترحاتك البنَّاءة لمن ينظمها، واعرض عليه المساعدة فيها، فإذا بك قد عدت.
 
نسأل الله تعالى أن يردنا إليه ردًا جميلًا!
 
 

فضائل أبي هريرة الرمضانية

 فكم هي كثيرة فضائل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!
وكم هو عظيمٌ جميلهم على من جاء بعدهم!

وجماع ذلك أنهم آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصروه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ليحملوا النور إلى أهل الأرض جميعًا في زمانهم، وليحفظوه لمن جاء بعدهم كما قال تعالى: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

ولقد كان جهاد الصحابة  رضي الله عنهم في ميدان الحجة والبيان جنبًا إلى جنب مع جهادهم في ميدان السيف والسنان، وفي كلٍ كان لهم اليد الطولى على من جاء بعدهم ممن انتفع بجهادهم، وإن كان بعضهم أكثر عطاءً في أحد الجانبين عن الآخر، فيبرز في جانب جهاد السيف والسنان أسماء كثيرة يأتي على رأسها بالنسبة لأهل مصر والشمال الأفريقي كله عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي أخرج الله على يديه مصر من الظلمات إلى النور.

ويبرز في جانب حفظ العلم ونقله  كثير من الصحابة ، ومنهم المكثرون من الفتيا، ومنهم المكثرون من الرواية، ومعظم المكثرين من الرواية كانوا غلمانًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنهم من اشتغل بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم كأنس بن مالك وأسامة بن زيد وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين؛ مما أعطى لهم فرصة كبيرة ليحفظوا عن رسول الله ويعوا.

وهؤلاء منهم من كفلته أمه كأنس رضي الله عنه ليتفرغ لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من تحمل عن طواعية واختيار ألم الفقر ومرارة الجوع، يشبع حينًا ويجوع أحيانًا كأبي هريرة رضي الله عنه.

ولقد حفظت الأمة جيلًا بعد جيل جميل هذا الجيل الأول امتثالًا لأمر الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10]، وامتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» [رواه البخاري ]، واعترافًا بالجميل لهم، فبجهادهم انتشر الإسلام فدخلنا فيه بفضل الله، وبعلمهم حفظ الدين فعلمناه وعملنا به بفضل الله تعالى.

وإذا كان الكفار يظهرون العداوة لدين الله جملة وتفصيلًا؛ مما يجعل أمرهم واضحًا لكل ذي عينين، فإن الشيطان  قد أوحى إليهم أن يتخذوا من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا من يزعم حب النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يسب صحابته وحملة شريعته.

ظهرت هذه الجريمة النكراء أول ما ظهرت على يد الشيعة، ثم تلقفها منهم العقلانيون القدماء منهم والمعاصرون.

ولا ندري كيف يصلي هؤلاء، وكيف يزكون، وكيف يصومون ويحجون؟! وهم في كل ذلك مفتقرون إلى علم هؤلاء الصحابة  الكرام الذين لا تُعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طريقهم، ولمَّا انتبه بعض هؤلاء إلى أنه يلزم من قولهم هدم السنة بالكلية، بل وهدم القرآن أيضًا (فهو لم يصل أيضًا إلا عن طريقهم)؛ عمدوا إلى مهاجمة بعض الصحابة دون بعض، وخصوا بالهجوم المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.
 
وكان لهذا الأثر البالغ في تخفيف وقع الجريمة على كثير من عوام المسلمين، مع أن المحصلة واحدة لمن تأمل، ولك أن تتخيل أي باب من أبواب الفقه إذا أخليته من مرويات أبي هريرة مثلًا ماذا سيكون حاله؟!
 
وبمناسبة شهر رمضان  المبارك لا سيما أن جميع المسلمين خواصهم وعوامهم يهتمون - بفضل الله تعالى- بأحكام وفضائل هذا الشهر الكريم، فإليك طائفة من مرويات أبي هريرة رضي الله عنه في فضائل العبادات في شهر رمضان، لم نقصد بها الاستيعاب، بل التمثيل بما اشتهر على ألسنة العامة والخاصة، ولم نتطرق فيها إلى أبواب الأحكام لأن هذا الأمر يطول، وفي باب الفضائل غنية وكفاية لمن أراد أن يتذكر ويتعظ.
 
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان  إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ].
 
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ].
 
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ].
 
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام  فإنه لي وأنا أجزي به...» [رواه البخاري ].
 
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» [رواه مسلم].
 
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» [رواه مسلم].
 
ومن تدبر في هذه الأحاديث وجد أنها كانت هي الحادي الذي حدا بعامة المسلمين في شهر رمضان؛ فشمروا عن ساعد الجد صيامًا وقيامًا والتماسًا لليلة القدر.
 
فكم لأبي هريرة من جميل في أعناق جميع المسلمين على مر العصور! عرف ذلك من رزقه الله نفسًا وفـِيَّة تعرف الفضل لأهله، فرأوا أن أقل ما يردون به فضل أبي هريرة رضي الله عنه وغيره من الصحابة هو أن يترضوا عنهم، لا سيما عندما يسمعون ذكرهم، وخاصة عندما يأتي ذلك الذكر في معرض رواياتهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
 
بينما بقي أصحاب النفوس الدنيئة المتمردة الجاحدة للفضل يعوون، وقافلة الإيمان تسير يتقدمها ذلك الركب الجليل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فاللهم احشرنا في زمرتهم، اللهم آمين!