عاجل
  • الرئيسية
  • مقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (131) استغفار إبراهيم --صلى الله عليه وسلم-- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (6)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (131) استغفار إبراهيم --صلى الله عليه وسلم-- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (6)

  • 68

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله --تعالى--: (‌مَا ‌كَانَ ‌لِلنَّبِيِّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌أَنْ ‌يَسْتَغْفِرُوا ‌لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113-114).

الفائدة الثالثة:

قوله -تعالى-: (وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) يشمل والدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعمه أبا طالب، وجده عبد المطلب؛ أما عمه فسبب نزول الآية كما في الصحيحين فنهي عن الاستغفار له، وفي الصحيح أيضًا قوله -صلى الله عليه وسلم- للعباس، بعد أن سأله: هل نفعت عمك أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويدفع عنك، قال: (نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي ‌غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ)، وفي رواية: (هُوَ ‌فِي ‌ضَحْضَاحٍ ‌مِنْ ‌نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه). وقال: (‌أَهْوَنُ ‌أَهْلِ ‌النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ) (رواه مسلم).

وكذا أمه -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم، وقد سبق الحديث أنه لم يؤذن له في الاستغفار لها، وأما أبوه فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي سأله: أين أبي؟ فقال: في النار، ثم لما وَلَّى دعاه، وقال: (إِنَّ ‌أَبِي ‌وَأَبَاكَ ‌فِي ‌النَّارِ).

وأما جده عبد المطلب، فقد قال أبو طالب عن نفسه عند الوفاة: إنه على ملة عبد المطلب -متفق عليه-، فعُلِم أن عبد المطلب كان عابدًا للأوثان.

ومع صحة هذه الأدلة ووضوحها؛ فقد وقع اجتهاد مخالف لها مِن المتقدمين لها والمتأخرين، وقد قال المناوي: إنهما من أهل الامتحان؛ لأنهما من أهل الفترة.

وكذا قال الشنقيطي -رحمه الله-؛ إذ قال عند تفسير قوله -تعالى-: (‌وَمَا ‌كُنَّا ‌مُعَذِّبِينَ ‌حَتَّى ‌نَبْعَثَ ‌رَسُولًا) (الإسراء: 15):  "الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنارٍ يأمرهم باقتحامها، فمَن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدِّق الرسل لو جاءته في الدنيا. ومَن امتنع دخل النار وعُذِّب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.

وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:

الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك. (قلتُ: يعني بذلك حديث الأسود بن سريع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أربعة يحتجون عند الله يوم القيامة، وذكر منهم: ورجل مات في الفترة).

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عُذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة، رادًّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن - ما نصه: والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثيرٌ من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوَّى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط؛ أفادت الحجة عند الناظر فيها.

وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء؛ فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال (قلتُ: لم يثبت حديث صحيح في امتحان الأطفال، وأهل السنة مختلفون في ذلك، والصحيح أنهم في الجنة مع إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- كما رواه البخاري).

وقد قال -تعالى-: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ) (القلم: 42)، وقد ثبت في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه.

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن الله -تعالى- يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرَّر ذلك منه، ويقول الله -تعالى-: يا ابن آدم، ما أعذرك! ثم يأذن له في دخول الجنة.

وأما قوله: فكيف يكلِّفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على متن جهنم أحدُّ مِن السيف وأدق من الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب. ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم!

وأيضًا: فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا؛ فهذا نظير ذلك.

وأيضًا: فإن الله -تعالى- أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل في غداةٍ واحدةٍ سبعين ألفًا؛ يقتل الرجل أباه وأخاه، وهو في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل. وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير بلفظه.

وقال ابن كثير رحمه الله -تعالى- أيضًا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه: ومنهم مَن ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة. ومَن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.

وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرَّحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض.

وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله -تعالى-، وهو واضح جدًّا فيما ذكرنا.

الأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله -تعالى-".

 وقد استدل -رحمه الله- في مواطن أخرى على مذهبه في والدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهما مِن أهل الفترة، فقال: " قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ من كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كنت لأرد نصًّا قطعي المتن قطعي الدلالة بنص ظني النص وظني الدلالة عند الترجيح بينهما، فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة  رضي الله عنه عند مسلم: "استأذنت ربي أنْ أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي"، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن، فلا يردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) أي: ولا مُثيبين.

(قلتُ: وهذا بلا شك منهج غير سديد، فالجمع بين الأدلة واجب وهي أدلة صحيحة متلقاة بالقبول، ولا يصح قوله: إن الآية قطعية الدلالة في أبوي النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهما مِن المشركين؛ وذلك لأن القول بأنه قد بلغتهم دعوة الرسل قول ثبت بالأدلة كما كان فيهم ورقة بن نوفل على النصرانية على التوحيد، وكان فيهم زيد بن عمرو بن نفيل؛ وَصَل إلى الحنيفية ومات عليها، ورآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في هيئة حسنة. وقد عَلِم المشركون من قريش قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- في عهد أبيه وأمه وجده بدعوة موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم-؛ فقد وصلتهم دعوة التوحيد، والآية عامة، فتخصيص أناسٍ بأعيانهم أنهم لم تبلغهم دعوة الرسل ليس دليلًا قطعيًّا كما زعم).

قال: وهذا النصُّ قطعيُّ الدلالة لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: "إنَّ أبي وأباك في النَّار"؛ فإنه ظنيُّ الدلالة؛ يحتمل أنَّه يعني بقوله: "إنَّ أبي" عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ اللهِ العزيز في موضعين: أحدهما: قطعيُّ المتن قطعيُّ قطعيُّ الدلالة، وهو قوله -تعالى- في البقرة: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)، وإسماعيل عمُّهُ قطعًا؛ فهو يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم.

والموضع الثَّاني: قطعيُّ المتن، لكنَّه ظنيّ الدلالة، وهو قوله -تعالى-: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) إلى أن قال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا) فهو نصٌّ قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أنَّه أبٌ لِلُوط، وهو عمُّه على ما وردت به الأخبار؛ إلا أنَّ هذا النص ظني الدلالة؛ لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله -تعالى-: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ)، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.

(قلتُ: وهذا تأويل على خلاف ظاهر السنة لا دليل عليه؛ لأن الأب إذا أُطْلِق ولا قرينة على أنه أراد العم؛ فلا بد أن يحمل على الأب الوالد، وليس العم).

وإذًا فإنَّه يحتمل أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إنَّ أباكَ في النَّار، وولَّى والحزن بادٍ عليه، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ردُّوه"، فلما رجع قال له: "إن أبي وأباك في النَّار"؛ يحتمل أنَّه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمِّي العَمَّ أبًا لا سيما إذا انضمَّ إلى العُمومةِ التربيةُ، والعطفُ، والدفاعُ عنه.

ثم قال: والتَّحقيق في أبوي رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يُدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرّسالة التي من بعدهم، فإذا كان ذلك كذلك، فإنَّ والد النبي -صلى الله عليه وسلم- التحقيقُ أنَّه مات والنبي -بأبي وأمي هو- حَملٌ في بطن أمه، وأمُّه -صلى الله عليه وسلم- ماتت وهو ابن ستة أعوام بلا خلاف، وإذًا فإنهما مِن أهل الفترة.

(قلتُ: وهذا النفي في أنهما لم تبلغهما النذارة قبلهم نفي بلا دليل، بل قد دَلَّت الأدلة التي ذكرنا على علم المشركين بالحنيفية؛ فلذلك لا يصح هذا الادِّعاء، فالصحيح ما ذكرنا من أنهما في النار، مع أن المسألة فيها اجتهاد لنوع تأويلٍ في الأدلة التي ظاهرها التعارض، وغفر الله للجميع).

الابلاغ عن خطأ