التوازن في البناء (2)

  • 172

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد جني ثمرة البلاغ، لابد مِن رعايتها، وإن البناء الذي بعد البلاغ أشد وأثقل مِن البلاغ، ففيه التفاصيل التي تفرِّق بيْن الأصل والدخيل؛ لذلك ترى دعوات متشابهة في البلاغ، متباينة في البناء والأولويات والأطروحات في شتى القضايا، حتى إنك لتبصر بونًا شاسعًا بينهم، وهذا مما تجري به الأرزاق سعة وضيقًا، بعد سلامة المنهج واستقامته على الوحي، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153).

فهذا سبيل البناء في شتى مناحي الحياة، وإن هذا الزمان قد طفح بالدخن والدخيل على الأصيل، بل ونسب للشريعة الغراء ما ليس منها! وصار البناء على الدخن أصلًا يختبر عليه المتسنن، مما يزيد الغربة ويزيدها، وهذا الأصل: عن جابر بن عبد الله قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)" (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).   

فلا توازن بلا أصلٍ ثابت يُبنى عليه، فمَن كان عمله وعلمه وتزكيته بعيدًا عن هذا الأصل (الوحي) فعمله في غير معتمل، ومع ازدياد الصيحات والضجيج للتنفير عن هذا الأصل، ينبغي ازدياد الجهد في إظهاره علمًا وعملًا، وسلوكًا ودعوة، فالواقع يشهد باستنفارٍ تامٍّ على هذا المنهاج وشعائره، ولو على سبيل وضع البدائل المؤقتة التي تقوم بدور المنفر عن هذا الأصل، حتى إذا ما قام بدوره انقضوا عليه وعلى ما تبقى مِن رائحة الشرع، ونحن لا نماري في إدراك المكائد وحجمها، بل ونستشعر دورها وبقاعها ودورها ومؤسساتها وقنواتها، لكنا نعلم أن الزبد لا مكث لها، وأن الباطل زهوق لا بقاء له، فكلمة مِن الوحي تبقى ويبقى أثرها (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد:17)، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء:81-82).

فهذه أصول لا تقبل التنازل، وسنن لا تتغير، فالبلاء والتمحيص قائم بها، فإما أن تثبت على منهاج النجاة والسُّنة، أو تساير الواقع بانتعال منهجك، فيقذف بك بعيدًا عنه، فلا أنت ثبت عليه فرضي عنك ربك، ولا أنت نجوتَ وعشت كريمًا.  

فإيجاد العمل البنَّاء لا يكون إلا على طريق الوحي لا المحدثات والبدع، وهذا التفصيل في الدعوات الهدامة على تفاوتها يحتاج لتفصيل؛ فليستْ هذه المدارس واحدة المشرب والمأرب، بل متباينة متعددة الأهواء، وما كان منها منسوبًا للمناهج الإسلامية في الجملة بيانه أشد وأحوج، في المعتقد والعبادة، والمعاملة والسلوك والتربية.

وهذا ما نسأل الله فيه التوفيق في مقبل المقال.

والحمد لله رب العالمين.