الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (29)

  • 18

قصة بناء الكعبة (27)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -تعالى-: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:133).

هذه الآية الكريمة مِن أوضح ما يُبيِّن حقيقة دين إسرائيل -الذي هو يعقوب عليه السلام الذي ينتسب إليه اليهود-، وحقيقة الدين الإبراهيمي دون الضلالة المحدثة المعاصرة التي يحاول أصحابها أن يخدعوا الناس ويوهموهم أن دين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- يشمل جميع الأديان الثلاثة التي يسمونها: "السماوية"، ويقصدون أن هذه الملل -وليس فقط الشرائع- على ما هي عليه اليوم مِن انحرافٍ عن دين الأنبياء، وشرك بالله، وتكذيب برسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ يزعمون أنها نزلت كلها من السماء مِن عند الله!

والحقيقة -التي لا شك فيها-: أنه لم ينزل دين من السماء إلا دين واحد هو الإسلام؛ بل نزلت شرائع متعددة لكل أمة في زمنهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، َأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) (متفق عليه)، يُشبههم -صلى الله عليه وسلم- بالإخوة من أبٍ واحدٍ وأمهاتٍ متعددةٍ، وهم الإخوة لعلات؛ لوحدة الدِّين الذي هو توحيد الله، وتصديق الرسل، والكتب المنزلة، مع تعدد الشرائع.

ولكن قد نسخ الله بشريعة الإسلام كل ما يخالفها مِن الشرائع السابقة، وألزم جميع الخلق اتباع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -تعالى-: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:156-158).

وإذا كان مَن شهد للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة، لكن لم يتبعه كافرًا، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع حَبْري اليهود اللذين سألاه عن أسئلة لا يعلمها إلا نبي أو رجل أو رجلان، فلما أخبرهما، قالا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا"؟ قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا اللَّهَ، أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا اليَهُودُ" (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح)، فلم يجعلهما -صلى الله عليه وسلم- مؤمنين ولا مسلمين؛ إذ زعما -كذبًا- أنه لا يلزمهما اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى ولو صدقوه! فكيف بمَن كذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكذَّب القرآن -كلام الله-؟! بل كيف بمَن أشرك بالله، وادَّعى له الولد، واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؟! قال الله -عز وجل-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:30-31).

وهذا نص قاطع في أنهم مشركون؛ فكيف يظن ظانٌّ أن الدين الإبراهيمي يشمل هذه الأديان الثلاثة؟!

وكيف يجتمع الشرك والتوحيد؟!

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلّا كانَ مِن أصْحابِ النّارِ) (رواه مسلم).

وقد تضمنت الآية الكريمة وصية يعقوب -عليه السلام- لبنيه عند موته، وأبناؤه هم آباء جميع بني إسرائيل عبر الزمان، ومَن دان بدينهم وتهوَّد ولو لم يكن إسرائيليًّا نسبًا، فهو منهم بتوليه لهم، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).

وقد استدل بهذه الآية الصحابة -رضي الله عنهم- في الرد على مَن زعم حِلَّ ذبائح الإسرائيليين نسبًا فقط، وحرَّم ذبائح مَن تهوَّد أو تنصَّر مِن العرب، فلما سُئِل علي -رضي الله عنه- عن نصارى بني تغلب وذبائحهم ونسائهم؛ تلا هذه الآية: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، وعن غير علي -رضي الله عنه- من الصحابة.

ووصية يعقوب -عليه السلام- لجميع أبنائه اختصرت في هذه الآية على الأمر بالتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والوصية بدين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وإسماعيل وإسحاق، قال الله -عز وجل-: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:133).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مُحتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل -وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام- بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وَصَّى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ما تعبدون مِن بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.

قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا. نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة مَن جعل الجدَّ أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق. حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يُختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف.

وقال مالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-: إنه يقاسم الإخوة، وحُكي ذلك عن: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر. (قلتُ: والراجح: أن الجدَّ أبٌ يحجب الإخوة كما دلت عليه الآية الكريمة، وقول الصديق -رضي الله عنه-).

وقوله: (إِلَهًا وَاحِدًا) أي: نُوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: مطيعون خاضعون، كما قال -تعالى-: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83).

والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوَّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25). والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، َأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ).

وقوله -تعالى-: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) أي: مضت، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم، (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة:134).

وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط؛ ولهذا جاء في الأثر: (مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) (رواه مسلم)" (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرفٍ يسيرٍ).

وهذه الآية تدل على لزوم الوصية بالتوحيد، وأنها أعظم وصية يُوصِّي بها المؤمن الموحِّد أولاده مِن بعده؛ لأن بالالتزام بالتوحيد يغفر الله ما دون الشرك، وبعدم الالتزام به يُؤاخَذ الإنسان بكل ما عمل.

نسأل الله أن يتوفانا مؤمنين، وأن يلحقنا بالصالحين.