(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (2)

  • 17

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المعنى الثاني: المعنى الحسي:

وذلك لما كان يلقاه النبي ـصلى الله عليه وسلمـ من الشدة عند نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه -عليه الصلاة والسلام- بذلك؛ حتى إنه إذا أُوحي إليه وهو على ناقته بركت به، والثقل على هذا المعنى ثقل حقيقي.

ويشهد لهذا المعنى: ما ورد عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- بسندٍ صحيحٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَضَعَتْ جِرَانَهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَحَرَّكْ، وَتَلَتْ قَوْلَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)، والجران: باطن العنق.

وقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا" (متفق عليه).

والمعنى: (لَيَتَفَصَّدُ): يسيل من الفصد، وهو قطع العرق لإسالة الدم شبه الجبين بالعرق المفصود مبالغة من كثرة عرقه. وفي لفظ مسلم: "إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا".

وأخرج الإمام البخاري بسنده عن زبد بن ثابت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمْلَى عَلَيْهِ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (النساء: 95)، قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ -وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (النساء: 95).

(تَرُضَّ): من الرض، وهو الدّق، وكل شيء كسرته فقد رضضته.

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: أن يَعْلَى بْن أُمَيَّةَ كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ، مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَاعَةً، ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: (أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟) فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ، فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ).

والغطيط مثل صوت النائم الذي يردده مع نفسه، ومعنى "ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ": أي أزيل ما به وكشف عنه.

والأدلة على هذا المعنى كثيرة، وكلها تثبت ثقل الوحي الذي هو كلام الله المجيد ثقلًا حسيًّا حقيقيًّا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.