الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (41) قصة إحياء الطيور (3)

  • 77

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

قال ابن جرير -رحمه الله- في تفسيره:

"وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية: ما صحَّ به الخبرُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (نَحْنُ أحَقُّ بالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ، إذْ قالَ: (رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ...)"، وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى لعارضٍ مِن الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا: مِن أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟! فسأل حينئذٍ ربَّه أن يريه كيف يحيي الموتى؛ ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: أوَلم تؤمن؟ يقول: أوَلم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رُؤيتي هذا الحوت.

ومعنى قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه.

وهذا التأويل الذي قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجَّهوا معنى قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إلى أنه: ليزداد إيمانًا، أو إلى أنه: ليُوَفَّق.

عن سعيد بن جبير: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: ليُوَفَّق.

عن سعيد بن جبير: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: ليزداد يقيني.

عن الضحاك: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) يقول: ليزداد يقينًا.

عن قتادة: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: أراد نبي الله إبراهيم ليزداد يقينًا إلى يقينه.

عن معمر وقال قتادة: ليزداد يقينًا.

عن الربيع: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: أراد إبراهيم أن يزداد يقينًا.

عن سعيد بن جبير: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: ليزداد يقيني.

عن مجاهد وإبراهيم في قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: لأزداد إيمانًا مع إيماني.

قال: وقد ذكرنا فيما مضى قولَ مَن قال: معنى قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) بأني خليلك.

وقال آخرون: معنى قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.

عن ابن عباس قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.

(قلتُ: وما رجَّحه ابن جرير مِن أن المقصود بذلك هو الخواطر، وأن المطلوب من إبراهيم هو ازدياد الإيمان بقدرة الله -عز وجل-، وازدياد اليقين دون شك؛ هو الصحيح الذي بيَّنا صحته).

قال ابن جرير: وأما تأويل قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) فإنه: أَوَلم تُصدق؟

عن سعيد بن جبير: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) قال: أولم توقن بأني خليلك؟

قال ابن زيد في قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) قال: أولم توقن".

(قلتُ: وقول سعيد بن جبير قد سبق بيان ضعفه).

ثم قال ابن جرير -رحمه الله-: "القول في تأويل قوله: (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ) قال: يعني -تعالى ذكره- بذلك: قال الله له: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ)، فذكر أن بعض أهل العلم يقول: إن أهل الكتاب الأول يذكرون أنه أخذ طاووسًا، وديكًا، وغرابًا، وحمامًا".

(قلتُ: تعيين هذه الطيور الأربعة من أصنافها المختلفة مما لم يرد به القرآن، ولم ترد به السُّنَّة الصحيحة، ولا حاجة إلى معرفة ذلك، وإنما هي اهتمامات أهل الكتاب دائمًا بتفاصيل القصة دون المعاني المستفادة منها، فلا ينبغي أن ننشغل بها، ولا أن نذكر الاختلافات فيها، والله المستعان).

 قال ابن جرير -رحمه الله-: "القول في تأويل قوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) -ثم ذكر الخلاف في القراءات- (فَصُرْهُنَّ): بضم الصاد، و"صِرْهُنَّ" بكسرها، ورجَّح قول مَن قال: إنهما لغتان بمعنى واحد؛ لاتفاق المفسرين من السلف على أن المعنى: فقطعهن.

عن ابن عباس قال: هي نبطية، فشققهن.

عن ابن عباس قال في الآية: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) قال: إنما هو مثل قال: قطعهن، ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، ربعًا ها هنا، وربعًا ها هنا، ثم ادعوهن يأتينك سعيًا.

عن ابن عباس: "فَصُرْهُنَّ" قال: قطعهن.

عن أبي مالك: "فَصُرْهُنَّ" يقول: فقطعهن.

وعن سعيد قال: (فَصُرْهُنَّ) جناح ذِه عند رأس ذِه، ورأس ذِه عند جناح ذِه، وذكر عن عكرمة ومجاهد: قطعهن.

وعن مجاهد: انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقًا، ثم اخلط لحومهن بريشهن.

عن قتادة: أُمِرَ نبي الله -عليه السلام- أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن.

 وعن قتادة، قال: "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" قال: فمزقهن، قال: أُمر أن يخلط الدماء بالدماء والريش بالريش، ثم اجعل على كل جبل منهم جزءًا.

وعن الربيع والضحاك وابن إسحاق، نحو ذلك.

قال ابن جرير: ففيما ذكرنا من أقوال مَن رُوينا في تأويل قوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أنه بمعنى قطعهن دلالة واضحة على صحة ما قلنا في ذلك" (قلتُ: أي: من أن صُرهن وصِرهن قراءتان بمعنى واحد، وأنهما لغتان).

قال: "فسواءٌ قرأ القارئ بضم الصاد أو كسرها؛ إذ كانت لغتين معروفتين بمعنى واحد، ثم هو اختار ضم الصاد".

ثم قال في قوله -تعالى-: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا): "قال: قال بعض أهل التأويل: يعني بذلك على كل ربع من أربع الدنيا جزءًا منهن.

عن ابن عباس قال: اجعلهن في أرباع الدنيا ربعًا هاهنا، وربعًا هاهنا، وربعًا هاهنا، وربعًا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك سعيًا".

(قلتُ: كأنه قصد المشرق والمغرب، والشمال والجنوب، وليس أنه يطوف الدنيا كلها ليضع هذه الأجزاء في أنحاء الدنيا البعيدة، وإنما هو في جهاتها المختلفة، والله أعلم).

ثم قال ابن جرير -رحمه الله-: "حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: أُمر نبي الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن ثم يخلط بين لحموهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل، فذُكر لنا أنه شكل على أجنحتهن وأمسك برؤوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة والبُضْعة إلى البُضْعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، ثم دعاهن فأتيناه سعيًا على أرجلهن، ويلقى كل طير برأسه، وهذا مَثَل أتاه الله إبراهيم، يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.