الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (45) قصة إحياء الطيور الأربعة (7)

  • 60

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

الفائدة الثالثة:

من وجوه زيادة الإيمان في القلب: زيادة قول القلب بالكمية -وقد ذكرنا فيما مضى زيادته بالكيفية-، وأما زيادته بالكمية: فهي زيادته بما يعلمه الإنسان مِن حقائق الإيمان وأصوله الستة، وما يتفرع منها، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: (أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وملائكتِهِ، وكتبِهِ، ورسلِهِ، واليومِ الآخِرِ، وتؤمنَ بالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ) (متفق عليه)، فكل أصل من هذه الأصول يتفاوت الناس فيه ويتفاضلون، كما يتفاوت الشخص في نفسه بين وقتٍ وآخر حسب علمه بتفاصيل الإيمان بأسماء الله -عز وجل- وصفاته، وكذلك تعبُّده بكلِّ اسم منها، ومعرفة معاني الربوبية والألوهية تفصيلًا، وأنواع العبادات، فكل ذلك مما يتفاوت فيه الناس، والشخص في نفسه بين العلم وعدم العلم، وهذا كله مِن وجوه الزيادة والنقصان.

ولذا فالناس بعضهم أكمل إيمانًا من بعض، وبعضهم أقل من بعض، وهذا بين أهل الإيمان؛ لأنه لا يُتصور الزيادة والنقصان في معدوم الإيمان؛ إلا أن بعضهم أكفر مِن بعض، وبعضهم يكون في الدرك الأسفل من النار؛ لتكذيبه أو شكه في كلِّ مسائل الدين والإيمان، كمَن يشك في وجود الله أو يجحد وجود الله -وهم الملاحدة في زماننا-، فهم أيضًا يتفاوتون نقصانًا ولا زيادة فيهم؛ لأنهم دون حدِّ التصديق الأدنى، وهو: زوال الشك.

وكذلك فإن تكذيب الإنسان بكل ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- أشد ممَّن كذب بعضه وأقر ببعضه؛ ولذا افترق حكم أهل الكتاب في إباحة الزواج من نسائهم وأكل ذبائحهم دون غيرهم من أهل الشرك؛ وإن كان الجميع مشركًا وكافرًا بإجماع المسلمين.

فزيادة الكمية في تصديق القلب: أنه كلما عَلِم الإنسان شيئًا من الشرع لم يكن يعلمه، وبالتالي لا يصدق به فصدقه؛ ازداد بذلك إيمانًا: كإنسانٍ لم يكن يعلم بعض أسماء الله -عز وجل-، أو يعلمها لكنه لا يفهم معناها؛ فإذا علمها وآمن بها وصدَّق بعد أن كان جاهلًا وفهم معناها؛ ازداد بذلك إيمانًا، وهذه الزيادة من باب المعرفة والتصديق الباطن، فإنسان لم يكن يعلم أن من أسماء الله -تعالى- المقيت، فسمع قول الله -تعالى-: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (النساء:85)، فصدَّق وآمن أن مِن أسماء الله -عز وجل- المقيت، وهو لا يدري معنى المقيت، فهو أكمل إيمانًا ممَّن لم يعلم هذا الاسم، ولا هذه الآية، ثم بعد ذلك عَلِم معناها، وأن معنى المقيت: الشهيد والرقيب؛ فقد ازداد بذلك إيمانًا.

 وكل المسلمين تقريبًا يعلمون أن الله -عز وجل- هو الصمد -نعني عامتهم-، وأكثرهم لا يعلم معنى الصمد، فإذا آمن الإنسان بأن الله هو الصمد؛ فهو أكمل ممَّن لم يعلم ذلك، ثم إذا علم معناه: أنَّ الصمد هو الذي يُصمَد إليه، ويُقصَد في الحوائج، وأنه هو السيد الكامل في سؤدده، العظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه؛ فهو الذي له كل صفات الكمال، وأيضًا إذا عَلِم أن مِن معنى الصمد أنه لا جوف له، وأنه لا يأكل ولا يشرب، وأنه أيضًا الباقي بعد خلقه، وأنه الذي لم يلد ولم يولد؛ فكل هذا يزداد به علمًا ويزداد به تصديقًا، وهو قبل ذلك لم يكن كافرًا، بل كان جاهلًا بدرجات الجهل المختلفة.

وأصل الإيمان في هذا الباب هو الإيمان بلا إله إلا الله ابتداءً، بما يثبت به أصل الإيمان والدين، قال الله -عز وجل-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (محمد:19)، قال البخاري: "فبدأ بالعلم قبل العمل".

وقد يكون عنده أصل الإيمان بلا إله إلا الله، وليس عنده من العلم بتفاصيل الإلهية التي تتضمن في الحقيقة كل مظاهر وأنواع العبودية تفصيلًا، وبهذا تشمل الدِّين كله؛ ولهذا يثبت أصل الدين بتصديق القلب بها، ثم بنطق اللسان، وإن كان مَن صدَّق بها بقلبه وعاجَلَتْه المنية فمات قبل أن ينطق بها، أو منعه مانعٌ؛ كخرس وعجز عن الإشارة وقتها، وإن لم يُحكَم بإسلامه ظاهرًا؛ إلا أنه عند الله مؤمنٌ وناجٍ غير معذب بحسب علمه وتقصيره في طلب العلم، فإن لم يقصر فهو ناجٍ لأول وهلة، وإن قصر في طلب العلم أثم، وإن لم يزُل إيمانه بذلك.

وكذلك الإيمان بالملائكة، قد لا يعلم الإنسان أسماء الملائكة؛ بل قد لا يعلم وجودهم أصلًا، إلى أن يتعلم ما ورد في الكتاب والسنة من إثبات الإيمان بالملائكة، وقد يتعلم بعد ذلك أسماء الملائكة الذين وردت أسماؤهم في القرآن والسنة، وما أعمالهم كذلك، وقد لا نعلم عمل بعض الملائكة بالتفصيل، وقد نعلم أعمالهم ولا نعلم أسماءهم، فالذين هم حول العرش الكروبيون لا نعلم أسماءهم جميعًا، ونعلم أسماء بعض مَن يحمل العرش إن صحَّ حديث: "صَدَّقَ أُمَيَّةَ بنَ أبي الصَّلْتِ في شيءٍ مِنْ شِعْرِه" (رواه أحمد)، فمنهم: رجل، وثور، ونسر، وليث، وإن كان بعض أهل العلم يضعِّف الحديث.

ونعلم أن هناك ملكًا للموت، هو ملك الموت، ولم يثبت في اسمه صراحةً اسم: "عزرائيل"؛ الذي يعتقده كثيرٌ مِن الناس ويقولونه، وكذلك ثبت اسم منكر ونكير في ملكي القبر، وبالقطع وبالإجماع ثبت اسم جبريل وميكائيل في القرآن، واسم إسرافيل في سنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- الصحيحة الثابتة.

وكذلك في باب الإيمان بالكتب والرسل: فمَن يعلم أسماء الخمسة والعشرين رسولًا الذين وردت أسماؤهم في القرآن، ويصدق بهم واحدًا واحدًا، ويعلم أن هناك رسلًا آخرين لم يقصصهم الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- في القرآن، كما قال -عز وجل-: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (الأنعام:164)، ويعلم أن هناك رسلًا آخرين أخبر بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: كيوشع بن نون، وإن لم يُذكر في القرآن، والخضر -على قول مَن يثبت نبوته، والراجح في ذلك الوقف-، وقد توقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تُبَّع؛ فكل هذا كلما علم الإنسان ما فيه مِن تفصيلٍ ثبت في الكتاب والسنة فيؤمن به إجمالًا يزيد إيمانه بالأنبياء أكثر من شخص آخر لا يعلم إلا أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يعلم الرسل الآخرين، أو يؤمن بهم إجمالًا كما ذكرنا، ولا يعرف أسماءهم، ولا حتى أسماء مَن وردت أسماؤهم في القرآن.

فهناك تفاوت بين الناس وبين الإنسان نفسه في أحواله المختلفة؛ فحاله حين لم يكن يعلم يختلف عن حاله حين يعلم، فأصل الإيمان في باب قول القلب وتصديقه هو التصديق بلا إله إلا الله، أما ما سوى ذلك فيصير شرطًا في أصل الإيمان إذا بلغ الإنسانَ علمُه، أو على الأصح في الاصطلاح يكون ركنًا في أصل الإيمان. وهذه مسألة مهمة، وهي أن أصل الإيمان في ذلك هو ما قاله الله -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).

فلو أن إنسانًا لا يعلم بلا إله إلا الله، فلا يكون مؤمنًا أصلًا ويكون كافرًا، وأما كونه معذبًا أم لا؛ فهذا حسب بلوغ الحجة الرسالية لأي رسول من الرسل، فأما إذا كان لم يأته خبر رسول لم يكن معذبًا، بل كان ممتحنًا يوم القيامة ولو مات كافرًا مشركًا.

أما إذا علم أنه لا إله إلا الله، ولم يعلم أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يعلم أن جبريلَ ملك من ملائكة الله مُوكَّل بالوحي أتى محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، ولم يعلم أن موسى -صلى الله عليه وسلم- رسول من عند الله، ولم يعلم أن التوراة من الكتب التي أنزلها الله، ولم يعلم بأن القرآن أنزله الله ولم يبلغه ذلك بعد؛ فهذا ليس بكافر، بل هو مؤمن بإيمانه بلا إله إلا الله.

وللحديث تفصيل آخر مهم -إن شاء الله-.

rl(null,true)])