موت الأحرار دمعة ودفعة

  • 23

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِقال ابن عباس رضي الله عنهما: "خرابها بموت فقهائها وعلمائها، وأهل الخير منها"، وكذا قال مجاهد: "هو موت العلماء".

وعن الحسن البصري رحمه الله قال: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، ما طرد الليل والنهار" (الجامع لابن عبد البر).

قال ابن القيم رحمه الله: "العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد والممالك، فموتهم فساد لنظام العالم؛ ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدِّين منهم خالفًا عن سالف يحفظ بهم دينه وكتابه وعباده، وتأمل إذا كان في الوجود رجل قد فاق العالم في الغنى والكرم، وحاجتهم إلى ما عنده شديدة وهو محسن إليهم بكل ممكن، ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة، فموت العالم أعظم مصيبة من موت مثل هذا بكثير، ومثل هذا يموت بموته أمم وخلائق" (مفتاح دار السعادة).  

ولهذا كان أهـل السنـة إذا مـات فيهم رجلٌ من أهـل العلم والخير؛ جزعوا، فعن أيوب السختياني رحمه الله أنه قال: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة، وكأني أفقد بعض أعضائي" (تاريخ الإسلام للذهبي)، وقال حماد رحمه الله: "كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فلا يرى ذلك منه" (تاريخ بغداد).

ونُعي إلى سفيان بن عيينة رحمه الله، عبـد العزيز الدراوردي؛ فجـزع وأظهـر الجزع ولم يكن قد مات، فقلنا: "ما علمنا أنك تبلغ مثل هذا! قال: إنه من أهل السنة" (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي).

إن مِن حسن العزاء عند فقد الأحرار العاملين لدين الله: أن يكون موتهم دفعة إلى العمل، وهمة في العطاء، واستمرار في البذل؛ فإنهم قدموا ما عليهم -والله حسيبهم-، ومتى ترجَّل الواحد منهم عن فرسه؛ فليمتطيه مَن بعده؛ لتستمر مسيرة العمل لدين الله التي لم ولن تتوقف بموت أحدٍ.

فما أحوجنا في هذه الأيام إلى رجال صابرين كصبر قابض على الجمر، رافعين راية هذا الدين، لا يدعونها تسقط ولو سقطوا واحدًا تلو الآخر في ميدان البذل والعطاء، فإذا سقط واحد منهم؛ حمل الراية غيره، فقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمـل أصحـابه رايـة الإسلام من بعده، وانتشروا بمنهجـه يقتفـون أثـره.

إن من حسن العزاء عند فقد أحد العاملين لدين الله أن نعلم: أن دينَ الله محفوظ، وشريعته باقية، وخيره يفيض ولا يغيض، فأعلام الديانة -بحمد الله- مرفوعة، وستبقى راية الإسلام عالية وقافلة العمل لدين الله سـائرة: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

كما أن مِن حسن العزاء: الاجتهاد في اقتفاء آثارهم، وترسم خطاهم، علمًا وعملًا، ودعوة ومنهاجًا، مع علمنا بـأن العاملين بالشريعة وللشريعة -كتابًا وسنةـ مُتوافرون في كل عصر ومصر، يحيي الخلف منهم منهج السلف، والدعوة -بفضل الله- معطاءة، زاخرة بالكفاءات، ثرية بالعطاءات، مليئة بالقـدرات، ولن يخور العزم، ويضعف العطاء -بحول الله ومنته- بفقد عالم من العلماء، أو داعية من الدعاة، ففي خلفهم -إن شاء الله- من سيحمل مشعل الهداية، وراية العلم والدعوة، ويسد الثغـرة، وينهض بالمسئولية العلمية والدعوية، وما علينا إلا أن نسمو بهممنا، وننهض بمهماتنا في نصرة دين الله، فمصيبة داعية من دعاة الخير لا يجبرها إلا خلف غيره له، فالله -سبحانه- بفضله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته يحفظ بهم دينـه وكتـابه وسنـة نبيـه.

فلا بد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها، ولا بد للعزائم المتوثبة أن تدرك مرغوبها، سنة لا تتبدل، وقضية لا تتحول، فبلال العزيمة أذَّن في أذنك فهل تسمع؟!

وداعي الخير دعاك؛ فلماذا لا تسرع؟! "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم".