العلاقات الدولية بين عِلْم السِّير والقانون الوضعي

  • 40

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيقوم النظام الإسلامي على العمل بنصوص الشريعة الغراء ومقاصدها، وتقوم العلاقات الدولية في الإسلام على أساس تنفيذ ما أمر الله به، ومنع ما نهى الله عنه، ويمكن اعتبار ذلك المشروعية العليا في الإسلام.

فيما بين المسلمين يجـمـعـهـم عـقـد الإسلام، بالتضامن والتماسك، والأخوة الإسـلامـيـة والمحبة، وكفى به حلفًا، فـلا يـجـوز بعـد ذلـك حـلـف بين المسلمين؛ حتى لا يتميز المسلم الحليف على المسلم غير الحليف، حيث الرابطة هي رابطة الأخوة الإيمانية.

ويسمَّى العلم الذي يبحث في علاقات المسلمين بالأمم الأخرى باسم: "علم السِّير"؛ أي: سيرة المسلمين في غيرهم من الأمم، مِن: حربيين، ومعاهدين، ومستأمنين، وأهل ذمة.

وبإرساء قواعد الشريعة الإسلامية يكون لدينا أعلى المُثُل الربانية، والتي من شأنها أن تصفي نوازع الصراع والظلم؛ لأن الإسلامَ يقوم على السلام والعـدل، فإن الواقع هو أن النظام الدولي الإسلامي يـقـوم على أساس حقيقي من العدل والسلام .

وتمتاز الشريعة الإسلامية على القانون الوضعي من وجوه:

أولًا: أن الأحكام الإسلامية تقوم على أساس من العدل الحقيقي، وتتنزه عن اعتبارات الأنانية وحب الذات والصراع على المصالح الخاصة.

ثانيًا: يقوم النظام الإسلامي على الالتزام الذاتي بقواعد العلاقات الدولية كجزءٍ مِن قانونها الداخلي، ومقصود الالتزام الذاتي، أي: أن سببه التكليف الشرعي باعتبار أن أحكام الشريعة الإسلامية خطاب موجه وملزم لكل مسلم في حد ذاته.

ثالثًا: النظام الدولي الإسلامي ليس قاصرًا على تعامل الدول فقط، بل هو كذلك يتغلغل إلى حدِّ تطبيقه على الأشخاص الخاصة، وتطبيق هذه الأشخاص له، وذلك بسبب أنه قانون حقيقي يطبقه القاضي المسلم تطبيقًا مباشرًا على ما يعرض عليه من المنازعات.

وقد ورد أنه في خلافة عمر بن عبد العزيز، كان قتيبة بن مسلم يفتح مدينة سمرقند، بدون أن يدعو أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثًا كعادة المسلمين قبل أن يبدأ القتال، فلما عَلِم أهل سمرقند بأن هذا الأمر مخالف للإسلام كتب كهنتها رسالة إلى عمر بن عبد العزيز، وعلى الفور تم استدعاء قتيبة بن مسلم إلى مجلس القضاء للتحقيق في تلك الواقعة، ثم حكم القاضي بإخراج جيش المسلمين من سمرقند.