معركة القادسية (13)

  • 142

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكوَّن جيش الفرس مِن مائتي ألف مقاتل، وثلاثة وثلاثين فيلًا، في مقدمتهم: فيل أبيض عملاق!

وقد تولى أسطورة فارس العسكرية رستم قيادة المعركة، ووضع رستم على رأس الجيوش أعظم مِن أنجبت فارس من قادة؛ فوضع على قلب الجيش الفارسي "الجالينوس"، وهو الرجل الثاني في جيوش كسرى، وجعل على ميمنة الجيش أسطورة الحرب الهرمزان؛ أما ميسرة الفرس فكانت من نصيب القائد الفارسي مهران بن بهرام، كما أسند هرمز مهمات قيادية رئيسية للقائدين الشهيرين: البرزان، وبهمن جاذويه الملقَّب ببهمن ذي الحاجب.

وعلى الناحية الأخرى: فقد كان جيش التحرير الإسلامي جيشًا منصورًا منذ البداية؛ ليس بسبب كثرة عدد فرسانه الذين تجاوز الثلاثين ألفًا بقليل، أي: نحو سدس جيش الإمبراطورية الفارسية إن لم يكن سبعه أو ثمنه؛ أي: أن كل مقاتل مسلم كان عليه أن يقاتل ستة أو سبعة مقاتلين من الفرس دفعة واحدة!

أما بالنسبة للعتاد: فقد كانت خيول المسلمين الهزيلة، وجِمَالهم لا تقارن بآلة الحرب الجبارة التي زوَّدها يزدجرد جيشه العرمرم، فقد كانت الفيلة العملاقة التي استخدمها الفرس في القتال، فيلة مدربة تدريبًا عسكريًّا على القتال، وتدمير جيوش الأعداء بأرجلها؛ هذا إضافة للأسلحة التي لم يَعرِف المسلمون مثلها في صحرائهم؛ ناهيك عن تفوق الفرس العظيم في مجال إدارة الخطط العسكرية، وحفر الخنادق، ونصب الكمائن؛ نتيجة لخبرتهم الممتدة لمئات السنين في قتال الإغريق والرومان، وحتى الفراعنة.

لم يكن جيش المسلمين منصورًا من أجل تفوقهم في العدد والعتاد؛ فليست هذه هي أسباب النصر التي أوضحها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته؛ لقد كان جيش المسلمين جيشًا منصورًا؛ لأنه -وبكل بساطه- كان جيشًا يومن برب الكون؛ جيشًا يعد أقصى ما استطاع من عدة القتال وأسباب النصر، ولكنه لا يعبد الأسباب، بل يعبد مسبب الأسباب، رب الأرباب، يعبد الله عز وجل.

وبمجرد استعراضنا لتكون الجيش الإسلامي ندرك تمامًا أننا أمام جيش منصورٍ؛ فلك أن تعلم أن جيشَ القادسية كان يتكون من ثلاثمائة وبضعة عشر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمائة ممَّن شهد الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة؛ ليس ذلك فحسب، فلقد كان جيش القادسية يضم بين فرسانه -وتأمل معي هذا الرقم- تسعة وتسعين عملاقًا من عمالقة بدر الكبرى؛ فهذا والله جيش منصور.