عاجل
  • الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (77) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (5)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (77) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (5)

  • 60

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 123-125).

الفائدة الثالثة من فوائد الآيات الكريمة:

فهم الصحابة رضي الله عنهم لقول الله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على فهمهم العمومَ منه، مع توضيحه لهم: أن جزاءَ المؤمن على السيئات هو ما يصيبه في الدنيا مِن المرض والألم حتى الشوكة يشاكها كما سبقت بذلك الأحاديث التي ذكرناها في التفسير، مع أن سبب نزول هذه الآية: ادِّعاء أهل الكتاب والمشركين وتمنيهم أنهم الفائزون والناجون، وأنهم أهدى سبيلًا هو مِن أقوى الأدلة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن هذه طريقة الصحابة في الفهم، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فصارت مِن السُّنة.

وبهذا انتفعوا بالآيات التي نزلت في الكفار، ومَن سبق مِن الأمم السابقة، وكذا كفار أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأنهم عَلِموا أنَّ ما ذمَّ اللهُ المشركين وأهل الكتاب عليه هو ذم لنا إذا ما فعلناه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (‌وَمَنْ ‌تَشَبَّهَ ‌بِقَوْمٍ ‌فَهُوَ ‌مِنْهُمْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطريقة في تحذير الصحابة من طريقة أهل الكتاب، كما في قصة ذات أنوط، كما روى الترمذي وصححه، وصححه الألباني عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بشرك، فمررنا بسدرة يعكف المشركون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ! ‌قُلْتُم -‌وَالَّذِيْ ‌نَفْسِيْ ‌بِيَدِهِ- ‌كَمَا ‌قَالَتْ ‌بَنو ‌إِسْرَائِيْلَ ‌لِمُوْسَى: (اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأَعْرَاف:138)، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)".

وكما قال حذيفة رضي الله عنه لما قالوا له: إن قول الله -تعالى-: (‌وَمَنْ ‌لَمْ ‌يَحْكُمْ ‌بِمَا ‌أَنْزَلَ ‌اللَّهُ ‌فَأُولَئِكَ ‌هُمُ ‌الْكَافِرُونَ) (المائدة: 44)، أنها نزلت في بني إسرائيل، فقال لهم: "نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، أن تكون لكم كل حلوة، وتكون لهم كل مرة"، مستنكرًا علهم تخصيصهم الذم لبني إسرائيل وإن فعلوا مثل فعلهم!

وهذه الطريقة مِن الفهم مِن أعظم ما ينتفع به العبدُ مِن كتاب الله؛ حتى لا يسقطَ النصوصَ على غيره رغم اختلاف حكم الإيمان عن الكفر؛ فيظن أن أوصافَ الكفار لا يُذمُّ عليها المسلمون إذا فعلوها!

وهذا يقع فيه الكثيرون حيث يقولون: إن هذه الآيات نزلت في الكفار، أو في اليهود والنصارى وليست فينا، فيعمل مثل عملهم، وربما فعل الشرك والكفر كما فعلوا، مثلما يجوِّز البعض الآن دعاء الأموات من الأولياء أو مَن يظنهم أولياء، ويجوِّز طلب المدد منهم والتمسح بأضرحتهم؛ بزعم التبرك بأصحابها، والتوسل بهم، ويرد على مَن نَهَى عن ذلك بالآيات الصريحة بالنهي عن دعاء غير الله كقوله -تعالى-: (‌وَمَنْ ‌أَضَلُّ ‌مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف: 5-6)، وقوله -تعالى-: (َلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ‌فَلَا ‌كَاشِفَ ‌لَهُ ‌إِلَّا ‌هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 106-107)، وقوله -تعالى-: (‌ذَلِكُمُ ‌اللَّهُ ‌رَبُّكُمْ ‌لَهُ ‌الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13-14)، وقوله: (‌قُلِ ‌ادْعُوا ‌الَّذِينَ ‌زَعَمْتُمْ ‌مِنْ ‌دُونِهِ ‌فَلَا ‌يَمْلِكُونَ ‌كَشْفَ ‌الضُّرِّ ‌عَنْكُمْ ‌وَلَا ‌تَحْوِيلًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء: 56-57).

وغيرها مِن الآيات الكثيرة، القاطعة الدلالة على شرك مَن دعا غير الله؛ فيردون هذه الحجة الواضحة بقولهم: إن هذه الآيات نزلت في المشركين، وأنتم تحملونها على المسلمين، وأنه لا يوجد في المسلمين مَن يعتقد عقيدتهم!

مع أن مَن تأمل أحوالَ الناس الذين يعظِّمون القبور ويطلبون المدد مِن أًصحابها، يعلم يقينًا: أن عقيدتهم كاعتقاد هؤلاء المشركين في أوثانهم التي ترمز عندهم إلى الملائكة التي اعتقدوا أنها بنات الله، وأنهم ما يطلبون ذلك إلا على سبيل الشفاعة، كمَن عبدها مِن دون الله -أو مع الله- ويزعم أنها تشفع لهم، قال الله تعالى: (‌وَيَعْبُدُونَ ‌مِنْ ‌دُونِ ‌اللَّهِ ‌مَا ‌لَا ‌يَضُرُّهُمْ ‌وَلَا ‌يَنْفَعُهُمْ ‌وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (يونس: 18)، وقال: (‌وَالَّذِينَ ‌اتَّخَذُوا ‌مِنْ ‌دُونِهِ ‌أَوْلِيَاءَ ‌مَا ‌نَعْبُدُهُمْ ‌إِلَّا ‌لِيُقَرِّبُونَا ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌زُلْفَى) (الزمر: 3).

وكان المشركون يقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن قولهم: "لبيك لا شريك لك لبيك. قد قد"، أي: اكتفوا بذلك؛ فصار هؤلاء اليوم يقولون: يستطيع الولي أن يخلقَ الجنينَ في بطن المرأة، وأن يهب طالب الولد ولدًا، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدبِّر الأكوان، وأن عليًّا يدبِّر الأفلاك، وأن الكون يدبره الأقطاب؛ يظنون أنهم إذا زادوا: "بإذن الله" أن ذلك يجزئ عنهم، مع أنهم كذبوا في ذلك الاعتقاد، وفعلوا مثلما فعل المشركون حين أرادوا أن يبرروا شركهم بأن يقولوا: "إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك"؛ قال الله سبحانه وتعالى في الرد عليهم: (‌أَفَرَأَيْتُمُ ‌اللَّاتَ ‌وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (النجم: 19-26).

وهذا كله يبيِّن: أن اعتقادَ مَن ينتسبون إلى الإسلام اليوم، بل إلى العِلْم والفتوى، مثل ما يعتقد المشركون في أوثانهم أنها على سبيل الشفاعة، وأنها مملوكة لله؛ فما دام أقرَّ بذلك جَاز أن يصرف لها: الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والحلف بها، وبعضهم يجوِّز ذلك بأنهم لا يستقلون بالفعل والتأثير، مع أن المشركين لم يقولوا ذلك، فصاروا شرًّا منهم، وذلك أن المشركين كانوا يقرون بأن مَن يدبر الأمر هو الله، قال الله -عز وجل-: (‌قُلْ ‌مَنْ ‌يَرْزُقُكُمْ ‌مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس: 31).

وبعضهم يدَّعي أن ذلك على سبيل المجاز العقلي، مع أن الناس لا تعرف المجاز ولا تقصده، بل يقولون: الأولياء يسمعون ويجيبون؛ نعوذ بالله، وكل ذلك بسبب عدم انتفاعهم بالقرآن، وعدم علمهم، وعدم عملهم بقاعدة: "العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"؛ التي عمل بها الصحابة، وفهموا بها القرآن؛ فانتفعوا بآياته.

وإن كان لا بد لنا هنا مِن التنبيه على أن: الانتفاع بهذه القاعدة لا يَلْزَم منه التسوية بين المسلم والكافر، ولا بين الشرك وما دونه، كما يفعله كثيرٌ ممَّن يدَّعي التَّدَبُّر، ويسير على طريقة بعض المعاصرين الذين لم يتقِنوا العِلْمَ، وجعلوا يسقطون الآيات على الواقع دون إدراكِ الفَرْق بين الشرك وبين ما دونه، وبين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبين كفر النوع وكفر المعيَّن، وبين الكفر بالعموم وبين تكفير نوع القائل أو الفاعل.

وكذا مَن لا ينتبه إلى قضية استيفاء الشروط وانتفاء الموانع قَبْل تكفير المُعَيَّن، والتي نَبَع منها إنكار العذر بالجهل، وهو مِن أهم موانع التكفير في زماننا، وبالتالي: توسَّع في تكفير مجتمعات المسلمين، وكفَّر الملايين، بل مئات الملايين مِن المسلمين دون إقامة الحجة على مَن فعل الشرك منهم، وإزالة الشبهة فضلًا عمَّن لم يقع في الشرك، وإنما لم يَعْرِف حالَه؛ فوقع بسبب هذا: الخلل والاضطراب في مسائل الإيمان والكفر، والحق وسطٌ بين الفريقين، وعَدْل ونَصَف بين الطرفين.