وثيقة الصلح والسلام.. مبادرة برلمانية للقضاء على الثأر في الصعيد

  • 52

وثيقة الصلح والسلام.. مبادرة برلمانية للقضاء على الثأر في الصعيد

كتب – أحمد سعيد

بين لحظة وأخرى قد تشتعل قرية بأكملها بنيران تأكل الأخضر واليابس، بل قد تُلتهم أسر كاملة عن بكرة أبيها، تلك النار التي لا ينطفئ جمرها هي الثأر، تلك العادة التي توارثتها الأجيال وأصبحت ظلمة لا تنيرها الأقلام ولا تمحوها الأيام، تسببت في حوادث مفجعة عبر السنين، ولعل الحادث الأخير الذي شهدته محافظة قنا وراح ضحيته 10 قتلى و7 مصابين –بينهم أطفال ونساء- أعاد قضية الثأر إلى الواجهة من جديد، حيث طُرحت مبادرة برلمانية تهدف إلى القضاء على تلك العادة الذميمة.

وتحت مسمى "وثيقة الصلح والسلام" جاءت مبادرة برلمانية تدعو إلى إنهاء خصومة الثأر، وبحسب المبادرة يتم تخصيص وثيقة عرفية تنص على إنهاء الخصومة بين العائلتين، وتتضمن توقيع الطرفين بالإضافة إلى توقيع بعض من القيادات الأمنية المختصة كالعمد ومأمور المركز أو أحد ضباطه.

بدوره، يرى ممتاز دسوقي، عضو مجلس النواب، أن محافظات الوجه القبلي تعاني من عادة الثأر والخصومة، مؤكدًا أن تلك العادة المذمومة تمثل خطرًا حقيقيًا يؤدي إلى زرع روح الانتقام، كما تؤدي إلى تفكيك الروابط بين أفراد المجتمع، لافتًا إلى أن الثأر خلّف وراءه آلاف من الضحايا، وأنتج الآلاف من الأرامل واليتامى.

وأكد دسوقي أن أضرار خصومة الثأر لا تتوقف عند الخسائر في الأرواح البشرية وحسب، بل تمتد وتخلف وراءها خسائر اقتصادية كذلك، لافتًا إلى أن الثأر يستنزف الموارد الاقتصادية للمجتمع بوجه عام، ويستنزف مجهودات التنمية في محافظات الوجه القبلي على وجه التحديد، باعتبار أن الثأر يوجد بصورة أكثر انتشارًا في الصعيد.

وشدد على ضرورة توعية المجتمع بمخاطر الثأر، مؤكدًا أهمية المبادرات المجتمعية والبرلمانية، بالإضافة إلى مشاركة المؤسسات المجتمعية في التصدي لتلك العادة، وكشف خطورة الثأر ونتائجه الكارثية على الفرد وعلى الأسرة عمومًا، كما طالب علماء الدين والمثقفين بالتحرك للتصدي لتلك الظاهرة المقيتة.

من جانبه، قال الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، إن موضوع الثأر عادة جاهلية قديمة، جاء الإسلام وقضى عليها، فربنا سبحانه وتعالى يقول: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا"، إذن القتل في حد ذاته حرام لا يجوز، حيث وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام الكعبة مخاطبًا إياها وقال: "لحرمةُ المؤمن أعظمُ عند الله حرمةً منكِ".

وأضاف الأطرش أن الإسلام حرّم الثأر ووضع حدًا لقتل النفس عمدًا، كما أن الإنسان صُنع الله، ومن قتل نفسا فكأنما هدم بنيان الله، فقال سبحانه وتعالى في كتابه: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"، موضحًا أن القتل العمد هنا ينطبق على الثأر المتعارف عليه في محافظات الصعيد.

وأشار أن الإسلام لم يترك الأمر هكذا، موضحًا أن المسؤول عن القصاص إنما هو ولي الأمر، فلو ترك الأمر لولي الدم في الأخذ بثأره لصارت الحياة غابة همجية، موضحًا أن الحياة ليس بها شيء من الهمجية، ومن ثم لا يجوز لبشر أن يقتل آدميًا تحت أي ظرف من الظروف، ولكن الإسلام وضع قيودًا عند وقوع حالة قتل.

وأشار رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر إلى أن الإسلام نظم كل شيء، بل إن الشرع نظم وحدد كيفية التعامل مع القتل الخطأ، فإذا وقعت حالة قتل خطأ وضع الإسلام قيدًا وهو قوله: "وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا"، والدية حق لولي الدم، كما أنه يجوز لولي الدم أن يعفو، وأمرنا الله بالعفو فقال: "وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ".