د. علاء رمضان - صوم لا مثل له - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء رمضان
2016-06-24 03:21:00

صوم لا مثل له 2

  صوم العقل
ما زلنا مع الصوم الذي لا مثل له.. نتأمل كلام ابن الجوزي رحمه الله، حيث قال: الصوم ثلاثة مراتب، وذكر في المرتبة الثانية صوم العقل، وهو مخالفة الهوى.
والهوى داء عضال يصيب الإنسان فيهلكه إن لم يتداركه الله تعالى برحمة وفضل.
(1) يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في روضة المحبين : الهوى ميل النفس إلى ما يلائمها , وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه , فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح , فالهوى ساحب إلى ما يريده.
ثم قال رحمه الله تعالى " والهوى لا يُذم مطلقا ولا يُحمد مطلقا، وإنما يُذم المفرط من النوعين" وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار , ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أُطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر , فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه، وكذلك السنة لم يجيء إلا مذمومًا، إلا ما جاء مقيدًا كقوله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ( الحديث صححه النووي وتعقبه ابن رجب ومعناه صحيح ) .

وقال الشعبي : وسُمي هوىً لأنه يهوى بصاحبه .اهـ.

(2) ومن تأمل القرآن وجد أن الله تعالى ذم الهوى أعظم الذم وبين مضاره أعظم بيان..
فمن مضاره أنه يجعل الإنسان ضالاً مضلاً، قال سبحانه وتعالى: {وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} , وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
ومنها أنه ينفرط بسببه أمره ويشتت عليه حاله قال جلا جلاله {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} .
ومنها أنه مانع من العدل الذي قامت به السماوات والأرض، قال جلا جلاله {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}.
ومنها أنه يردي الإنسان ويهلكه قال جلا جلاله {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى}.. ولذا فالهوى أساس كل أمراض القلوب.
ومنها أن الله ـ جعل الهوى مضادًا لما أنزل على رسله، وقسم الناس قسمين :
(1) أتباع الوحي.        
(2) أتباع الهوى .
وهذا كثير في القرآن : قال سبحانه وتعالى: {فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ}.قال سبحانه وتعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ونظائره .

ومنها أن الله ـ شبه أتباع الهوى بأخس الحيوانات صورة ومعنى، قال سبحانه وتعالى {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ}وبين في هذه الآية أن الهوى سبب لانسلاخه من الحق .
ومنها أنه ـ جعل متبع الهوى بمنزلة عابد الوثن :قال سبحانه وتعالى {أرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}  في موضعين من كتابه.
قال الحسن رحمه الله : هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه. والآيات في ذلك كثيرة .

3) ولذا كثُرت عبارات السف في التحذير منه وبيان خطورته

فمن ذلك قول علي رضي الله عنه:  " إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل , أما اتباع الهوى فيصد عن الحق , وأما طول الأمل فينسي الآخرة " .
وقال بعض السلف  " إذا أُشكل عليك أمر لا تدري أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك لأن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى " .
وقال ابن القيم رحمه الله سمعت شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- يقول : "جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين , فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه ".


وقال ابن المبارك رحمه الله : 
ومن البلاء وللبلاء علامة       *   ألا يُرى لك عن هواك نزوعُ
العبد عبد النفس في شهواتها   *   والحر يشبع تارة ويجوعُ

(4) ومن خطورة هذا الداء العضال أن أمراض القلب كلها من متابعته كما قال ابن القيم رحمه الله " فأمراض القلب كلها من متابعة الهوى , ولوفتشت عن أمراض البدن لرأيت غالبها من إيثار الهوى على ما ينبغي تركه " انتهى .

ولما كان ترك الطعام والشراب والشهوة في الصيام خلاف ما يهوى العبد كان على العاقل ان بأخذ من ذلك العبرة والعظة فيجعل من مخالفة الهوى شعاره، ويتخذ من محاربته دواءه ,قال بعض العارفين : إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك , داؤك هواك ودواؤك ترك هواك ومخالفته .وقال بشر الحافي رحمه الله" البلاء كله في هواك والعافية في مخالفتك إياه " .

(5) وقد أشار ابن القيم رحمه الله، إلى أركان العلاج من هذا الداء العضال فقال 
(1) عزيمة حر يغار لنفسه وعليه .
(2) جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة. 
(3) قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة. "انتهى"

مع التفكر في مآلات متابعة الهوى ومآلات مخالفته على العبد في الدنيا والآخرة ..
وللمزيد عليك بفارس الميدان وحادي الركبان شيخ الإسلام ابن القيم، قد سمى آخر باب من كتابه روضة المحبين ( ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى ) وهو أنفس أبواب الكتاب , وذكر فيه خمسين ثمرة لمخالفة الهوى .
حريُُّ بنا أن نطالعها ونتأملها في هذا الشهر المبارك لنأخذ منها زادا لطريقنا إلى الله ـ .

وهذه المرتبة الثانية من الصيام الذي لا مثل له .