رضا الخطيب - سورة الإخلاص (1) - بوابة الفتح الالكترونية
رضا الخطيب
2017-11-11 16:14:59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فسورة "الإخلاص" هي السورة الثانية عشرة بعد المائة مِن القرآن الكريم، وهذه السورة مكية، وآياتها: أربع.

روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: أَنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ) (الإخلاص:1-2) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

وقال عكرمة -رحمه الله-: "لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكل منهم قال: نحن نعبد إلهنا، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر؛ أنزل الله هذه السورة.

وقال الضحاك -رحمه الله-: "بعثت قريش عامر بن الطفيل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقول له عنهم: "يا محمد! لقد شققت عصانا، وسفهت أحلامنا، وعبت دين آبائك، فانظر ماذا تريد؟ إن كنت فقيرًا أغنيناك، وإن كنت مجنونًا داويناك، وإن كنت قد هويت امرأة زوجناك". فقال -عليه الصلاة والسلام-: "لستُ بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، وإنما أنا رسول الله إليكم أدعوكم لأن تعبدوه، وأن تخلعوا عبادة الأوثان".

فرجع عامر بن الطفيل لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا، فأرسله المشركون ثانية، وقالوا له: "قل له: يا محمد! صف لنا إلهك، أمن ذهب هو أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ أم من نحاس؟ فأنزل الله هذه السورة".

فالمشركون لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، ما خطر ببالهم إلا الآلهة الباطلة التي يصنعونها بأيديهم مِن حديدٍ أو مِن نحاسٍ أو مِن خشبٍ أو مِن ذهبٍ أو مِن فضةٍ؛ هذا هو الإله في تصوراتهم الباطلة؛ فأنزل الله هذه السورة المباركة؛ ليبين أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس له كفؤ، ولا شبيه، ولا ند، ولا مثيل؛ لم يلد، ولم يولد -جلَّ جلاله-.

وعن عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟)، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) (متفق عليه). أي: لأنه أحب صفة الله -تعالى-.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ: بِـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لاَ تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا، وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: (يَا فُلاَنُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: (حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ) (رواه البخاري تعليقًا، ورواه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.