رضا الخطيب - سورة الإخلاص (7) - بوابة الفتح الالكترونية
رضا الخطيب
2018-02-28 18:41:45

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال الكلام موصولًا مع "سورة الإخلاص"، وتفسير قوله -تعالى-: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ).

قوله: (لَمْ يَلِدْ)، ومثله: (وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) (الإسراء:111)، وهذه الآية تسمى آية العزة.

إن نفي اتخاذ الولد لا يستلزم نفي الولادة؛ لأنه يمكن أن يتخذ الشخص ولدًا بطريقةٍ غير طريقة التناسل المعروفة، وذلك عن طريق التبني مثلًا، ففي قصة يوسف -عليه السلام- يقول الله -تعالى- عن عزيز مصر: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف:21).

إذن فيمكن أن يُتخذ الولد عن طريق الإلحاق، أو عن طريق التبني، فيكون في هذه السورة نفي أخف.

فقوله: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) نفي لاتخاذ الولد مطلقًا بالنسب وغيره.

فلزم التنبيه عليه في هذه السورة والتي تعدل ثُلُث القرآن؛ لأنها مختصة بحق الله في ذاته وصفاته مِن الوحدانية والصمدية، ونفي الولادة والولد ونفي الكفؤ، وكلها صفات انفرد الله  بها.

ولذلك جاء في هذه السورة النص الصريح بعدم الولادة في قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)، فهي أخص مِن تلك، وهذا مِن المسلَّمات عند المسلمين جميعًا بدون شك ولا نزاع، ولكن غير المسلمين لم يسلموا بهذه الحقيقة.

فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فاتفقوا على ادعاء الولد لله، ولم يدَّعِ أحدٌ أنه -سبحانه وتعالى- مولود، أي: أن له أبوين.

قال الشيخ عطية سالم: "جاء في القرآن ذكر ادعاء الولد لله، وجاء الرد مِن الله، مع بيان المانع مفصَّلاً-أي: بأن الله لم يلد ولم يولد- مع الإشعار بالدليل العقلي وذلك في قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) (البقرة:116)، فهذا تنزيه لله؛ لأن هذا شتم لله كما جاء في الحديث القدسي: (يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي) أي: أن ينسب إلى الله  الولد. (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ . بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة:116-117).

فهذا نص صريح فيما قالوه: "اتخذ الله ولدًا!"، مع تنزيه الله عن ذلك.

ثم جاء حرف الإضراب عن قولهم فقال: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) ففيه بيان المانع عقلاً مِن اتخاذ الولد بما يُلزم الخصم، وذلك أن غاية اتخاذ الولد أن يكون بارًّا بوالده، وأن ينتفع الوالد بولده كما جاء في قوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف:46)، أو يكون الولد وارثًا لأبيه كما في قوله -تعالى- عن نبي الله زكريا -عليه السلام-: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (مريم:5-6).

أما الله فهو حي باقٍ، يَرث ولا يُورث كما قال: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الحديد:10).

إذن فكل ما في السموات والأرض في قنوت وامتثال طوعًا أو كرهًا لله، وكما قال: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:92-93)، إذن فهو -سبحانه- ليس بحاجةٍ إلى الولد؛ لغناه عنه.

وأورد بعض المفسرين سؤالًا في هذه الآية، وهو: لماذا قدَّم نفي الولد، والأصل في المشاهدة أن الإنسان يُولد أولاً ثم يلد بعد ذلك؟!

والجواب: أن هذا مِن باب تقديم الأهم؛ لأنه رد على مَن ادعى لله الولد؛ ولأنه لم يدعِ أحدٌ أنه مولود لأحدٍ، فكانت دعواهم الولد لله فرية عظمى! فمع أن أحدًا لم يدعِ لله -سبحانه وتعالى- الولادة جاء القرآن بنفي كلا الاحتمالين؛ لتسليم النفي والتنزيه كما في حديث البحر لما سئل الرسول -عليه السلام- عن الوضوء بماء البحر فقيل له: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني)، فهذا جواب للسائل بأكثر مما سأل عنه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.