محمود عبد الحفيظ البرتاوي - سلـِّم نفسك! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).

فأقسم -سبحانه- أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يحكِّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور دون ممانعةٍ أو منازعةٍ، ولما كان (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) غير كافٍ في تحقيق الإيمان؛ قال -تعالى- بعدها: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ)؛ فاشترط الانقياد الظاهر والباطن لما قضى به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبلا أدني حرج، ومع تمام التسليم فقال -تعالى-: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

فبهذا يكتمل إيمان العبد ظاهرًا وباطنًا.

وعلى قدر تضلع العبد ونهله مِن معين الوحي الصافي يكون حظه مِن هذا التسليم لما جاء عن الله -تعالى- وما جاء عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإن كثيرًا مِن الناس يزعم الإيمان ويرى نفسه في عليائه، وهو مع ذلك إذا علم نصًّا يخالف ما يعتقده أو ما يراه صوابًا تلكأ في قبوله مع صحة النص وصراحته!

والبعض ممَن قد يُنسب أو ينتسِب إلى دعوة وعلم وعمل، ربما لا يقبل مِن النصوص إلا ما وافق مذهبه واعتقاده، ويشغب على مَن خالفه، وإن وافق قول مخالفه الأدلة الصريحة الصحيحة مِن الكتاب والسُّنة!

وهذا الصنف -والذي قبله- لم يسلِّم نفسه لله -عز وجل-، ولم يستسلم للوحي المعصوم "قرآنًا وسنة صحيحة"، بل ظن أن قناعته برأي ما وإعجابه به يصيره حقـًّا وحقيقة لا تقبل الجدل! ونسي -أو جهل- قول الله -تعالى-: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:103-104)، فلم يغنِ عنهم ظنهم واعتقادهم أنهم محسنون.

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن العجب واتباع الهوى غاية التحذير، فقال: (ثلاثٌ مُهْلِكاتٌ: هَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطاعٌ، واعْجابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

ومن التسليم لله وللرسول أن ترد الأمور إلى أهلها، وهم أهل العلم بالدين؛ فإن العلماء هم أقدر الناس على فهم الكتاب والسُّنة، واستنباط الأحكام الشرعية منهما، ومعرفة المصالح والمفاسد وموازينهما؛ ولذلك أمر الله -تعالى- برد الأمر إليهم: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83)، وقال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43).

وإذا كان ذلك هو الواجب فما خفي ودق مِن عامة أمور التشريع؟!

فكيف في الملمات والمعضلات والمهمات؟!

ولكن يا للعجب! فلربما رأيت مَن لا يحفظ مِن القرآن إلا قليلًا، ولا مِن السُّنة إلا يسيرًا، ومع هذا يقف أمام الجهابذة مِن العلماء وكأنه الشافعي أو أحمد بن حنبل، ويعارض بقوله قولهم.

ولقد صدق في أمثال هؤلاء قول القائل:

يقولون هذا عندنا غير راجح            ومَن أنتم حتى يكون لكم عندُ!

والعقل الصحيح يقتضي أن يُرجع في كل فنٍّ إلى أربابه العالمين به، فمَن مرض؛ فإنه لا يداوي نفسه بنفسه ويعمل عقله فيما لا يفهم، بل يذهب إلى الطبيب ويرد الأمر إلى أهله.

فالواجب على المسلم إن أراد النجاة أن يجرِّد نفسه مِن اتباع الهوى، والعجب بالرأي، وأن يتبع الحق متى ظهر له ولو على لسان مَن لا يحب؛ فإن الحق يُقبل مِن كل مَن جاء به ولو كان بغيضا بعيدًا، والباطل يرد على كل مَن جاء ولو كان حبيبًا قريبًا، وقد قال النبي -عليه السلام- لأبي هريرة في قصته مع الشيطان لما أوصاه بقراءة آية الكرسي وأنه لا يقربه شيطان حتى يصبح إن قالها: (صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ) (رواه البخاري)؛ فكيف بخبر العالِم المعتضد بالأدلة الشرعية الثابتة مِن الكتاب والسُّنة؟!

نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.