محمد سرحان - أمة لا تموت! (1) - بوابة الفتح الالكترونية
محمد سرحان
2018-07-07 15:22:41

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأمة الإسلام تضعف، لكنها لا تموت، تُبتلى؛ لا لهوانها على الله، وإنما لتراجع دينها الذي هو مصدر عزها وقوتها، ولتستفيق مِن غفوتها وغفلتها، مرت بفتراتٍ عصيبة ظن أعداؤها أنها انتهت وقضي عليها وذهبت إلى غير رجعة؛ فإذا بها تفاجئهم فتية قوية، في ريعان قوتها وشبابها، يعتريها الضعف لفساد بعض أبنائها، وانتشار الذنوب والمعاصي والبدع، لكنها رجَّاعة، أمة خير: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110).

ليست المشكلة في قوة أعدائها، ولكن في ضعف أبنائها، وضعف تمسكهم بدينهم، فلها وعد مِن الله بالنصر مهما بلغت قوة أعدائها طالما حققت شروطه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال:60)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55)، فإن أخذت بأسباب النصر المادية (على قدر قوتها وقدرتها) والشرعية نصرها الله.

بدأ الإسلام غريبًا بيْن أمم الأرض الكافرة، بضعة نفر على رأسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحر وعبد، وطفل وامرأة، ثم كثرهم الله: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال:26)، فرمتهم الدنيا عن قوسٍ واحدةٍ؛ اضطهدوا وعذبوا وأوذوا، تركوا بلادهم وأموالهم وأهلهم وهاجروا، فتبعهم الكفار إلى الحبشة، تركوا ذلك كله ولم يتركهم الكفار، مورس عليهم أشد ما يكون مِن كل ما يستطيعه الكفار لصدهم عن دينهم.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يمر عليهم -يتحرق ألمًا-: "صبرًا فإن موعدكم الجنة"، ويبشرهم بما هو قادم: النصر والظفر، وانتشار الدين، حتى كان الكفار يتهكمون عليهم بقولهم: "جاءكم ملوك العرب!"، وقد حدث ذلك ورأوه بأعينهم!

يبشرهم الله بنصر بدر: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر:45)، وكان الناظر لهم يقول: كيف لهؤلاء -على هذا الحال- أن ينتصروا؟! وقد كان، ورأوه بأعينهم!

ثم صاروا الأمراء والملوك والحكام، ثم دارت عليهم الفتن، فتوقفت الفتوحات، وانشغلت الأمة مِن أواخر عهد عثمان وخلافة علي وابنه الحسن -رضي الله عنهم- وعن الصحابة أجمعين، ثم ضمدت الجراح والتأمت، واجتمعت الأمة على معاوية -رضي الله عنه- وبه، وقويت وعزت وانتشر الإسلام فعم معظم الأرض في حينها.

وكان عصر بني أمية في الجملة عصرًا ذهبيًّا لها، ثم اعتراها الضعف أواخر عهد الأمويين، فقام العباسيون ينهضون بقيادة الأمة، وكانت فترات مضيئة؛ لا في تاريخ المسلمين فقط، بل في تاريخ الأرض كلها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.