شريف طه - المذهبية مَطِيّة لأهل البدع الرَّزِيِّة، وللتفقه سبيل إذا عُظِّم الدليل - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2019-01-08 15:59:54

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد صارت المذهبية أحد الدعاوى التي ركبها أهل البدع؛ لإحياء بدعهم -المقبورة على أيدي دعاة أهل السُّنة بفضل الله تعالى-، حيث تمكَّن الدعاة السلفيون مِن مواجهة هذه الانحرافات الموروثة -التي أُلبست لبوس العلم والفقه، وأقحمها المنتسبون للمذاهب الأربعة المتبوعة في الأمة- عبْر تأصيل قضية الاتباع، وتعظيم قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مقابل قول أي أحدٍ كائنًا مَن كان، وهو ما نصَّ عليه الأئمة أنفسهم، ولكنَّ هؤلاء المقلدة المتعصبين أفرغوا هذه المقولات مِن مضمونها، وحملوها على المجتهد المطلق الذي لم يَعد له وجود منذ قرونٍ، مع أن هذا المجتهد لا يجوز له أصلًا التقليد لغير حاجة، ومِن ثَمَّ لا حاجة لأن يخاطبه الأئمة بمثل هذه الأقاويل!

ومِن هنا أجبرَ محمد بن عبد الوهاب خصومه على أن يخاطبوه بالدليل، ولا يستكثروا بأقوال الرجال، وهم الذين كان يكفيهم في إقامة الحجة على الخصم والمناظِر ان يُذكر له أن هذا هو المعتمد! مع أن الشيخ لم يدَّعِ الاجتهاد، ولكن كان له قدرٌ مِن النظر يؤهِّله للقيام بالدعوة، والإنكار على المخالِف.

ومِن هنا حدث تحولٌ كبيرٌ في ساحة النقاش الفقهي والعلمي امتد للأمة كلها، وحصل إحياءٌ للكتاب والسُّنة، والحرص على معرفة الأدلة على أقوال المذاهب، بعد أن كانت قراءة الوحيين في مجالس العلم تكون على وجه التبرك لا الاستدلال!

بل كان يُنكّر أِشد الإنكار على مَن يقول: "إنهم يقرؤون في كتب السنة للعمل!"، كما حدث للمحدث الكتاني (صاحب كتاب الأحاديث المتواترة)؛ هذا النشاط العلمي الجديد تحمس له كثير مِن دعاة الإصلاح، واعتبروه تجديدًا، وعنصرًا لا بد منه في إحياء الأمة مِن كبوتها وتخلفها، والذي كان سببًا فيه الجمود والتأصيل للتقليد المذموم.

نعم بلا شك، حصلت فوضى (أغلبها من عوام الطلبة المنتسبين للسلفية، وبعض الشذوذات من العلماء الذين تأثروا بالمسحة الظاهرية)، ولكن لم يكن السبيل لتقويم الانحراف هو بإعادة الغلو في المذهبية، وإعادة تقديس معتمد المذاهب!

لا زلت أذكر في أحد النقاشات قائلًا يقول: "لا يوجد قولٌ واحدٌ شاذ في معتمد المذاهب!"؛ صار المعتمد في أذهان بعض الطلبة هو خلاصة جهد آلاف العلماء المتقنين في فهم مراد قول الإمام! ومِن هنا صار يكفي لتسويغ قول أن يذكر أنه معتمد مذهب كذا! وهنا ورطة كبيرة في تسويغ المخالفات العقدية المقحمة في المذاهب.

يحاول البعض علاج ذلك بالتفريق بيْن المذهب في أصوله وفروعه، والحقيقة أن هذا العلاج لن يسعف؛ فإن التفريق بيْن الأصول والفروع اصطلاحي، والمسألة في نهايتها ستكون حكمًا شرعيًّا، فما الذي يفرّق بين حكم الاستعانة بالرسول، وحكم المسح على الخفين؟!

في الواقع كلاهما حكمان شرعيان؛ إما تقول بالتقليد في الاثنين وفق المنظومة الموروثة (وهذا في الحقيقة غالب صنيع الفقهاء الذين يجعلون المذهب أصولًا وفروعًا)، وإما تتبع منظومة تقول بجواز التمذهب شريطة عدم التعصب، وأنه يجب رد الأقوال المخالفة للنصوص القطعية مهما كان مخالفها، وهذا السبيل الواحد لنبذ البدع، وأما الدخول في معركة مع المقلدين على أرضية التقليد المذموم، فإن الفائز سيكون أشدهما تقليدًا، غالبًا مستكثرًا بأقوال الرجال.

كان يمكن علاج ذلك بتربية الطالب على فقه الخلاف والأدب مع المخالِف، وأهمية الإجماع، وعدم جواز مخالفته إذا ثبت، والنظر في طريقة الفقهاء وكيفية استنباطهم عبْر الدراسة المذهبية التي تهتم بمعرفة الأدلة وتعظيم الدليل في نفس الطالب؛ وليس أن نظل في دائرة الفعل ورد الفعل!