زين العابدين كامل - (تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللهِ، ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللهِ، ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" -هكذا موقوفًا عليه-، وهذا الحديث يحث على التفكر في خلق الله -تعالى-، وقد قال -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:190-191).

ولا شك أن التفكر في النعم والمخلوقات له تأثير على قوة إيمان العبد بربه، وشدة محبته له، وأمر التفكر يتلخص في: إعمال العقل وإطلاقه في التأمل في آيات الله في الكون، والتدبر والملاحظة لعظمة الله في خلقه، قال -تعالى-: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185).

والتأمل يكون كذلك في خلق الله -تعالى- للإنسان، وما فيه مِن آياتٍ باهرةٍ؛ فينظر الإنسان إلى نفسه وصورته، وتكامل الأعضاء والأجهزة المختلفة في جسمه، ويتأمل وظيفة كل جهاز في جسمه، وماذا يحدث لو تعطل جهاز واحد لعدة دقائق! فيزداد بذلك إيمانًا بربه وبقدرته وعظمته؛ لذلك قال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53).

ونرى في الحديث النهي عن التفكير في ذات الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله -تعالى- ليس كمثله شيء، ومهما بلغت قوة ذكاء العقل البشري، فهو مخلوق محدود، عاجز عن إدراك ذات الله -تعالى-، والذين أعملوا عقولهم في هذه القضية، وقعوا في نفي الصفات أو تعطيلها، أو التجسيم، أو التأويل؛ لذا قال نعيم بن حماد -وهو من مشايخ الإمام البخاري-: "حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكر في الرب -تبارك وتعالى-، ويتبع حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق)" (أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي، 3/ 527).

وقال أبو القاسم الأصبهاني: "ومَن تفكر في الله وفي صفاته: ضل، ومَن تفكر في خلق الله وآياته ازداد إيمانًا" (الحجة في بيان المحجة، 2/ 457).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الْفِكر فِي آلَاء الله ونعمه، وَأمره وَنَهْيه، وطُرُق الْعلم بِهِ، وبأسمائه وَصِفَاته، مِن كِتَابه وَسنة نبيه وَمَا والاهما. وَهَذَا الْفِكر يُثمر لصَاحبه الْمحبَّة والمعرفة، فَإِذا فكر فِي الْآخِرَة وشرفها ودوامها، وَفِي الدُّنْيَا وخستها وفنائها؛ أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة فِي الْآخِرَة، والزهد فِي الدُّنْيَا، وَكلما فكّر فِي قصر الأمل وضيق الْوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ وَالِاجْتِهَاد، وبذل الوسع فِي اغتنام الْوَقْت، وَهَذِه الأفكار تُعلي همّته وتحييها بعد مَوتهَا وسفولها، وتجعله فِي وَاد، وَالنَّاس فِي وَاد.

وبإزاء هَذِه الأفكار: الأفكار الرَّديئَة، الَّتِي تجول فِي قُلُوب أَكثر هَذَا الْخلق، كالفكر فِيمَا لم يُكَلف الْفِكرَ فِيهِ، وَلَا أُعْطيَ الْإِحَاطَة بِهِ، مِن فضول الْعلم الَّذِي لَا ينفع، كالفكر فِي كَيْفيَّة ذَات الرب وَصِفَاته، مِمَّا لَا سَبِيل للعقول إِلَى إِدْرَاكه" (الفوائد، ص198).

وهكذا يجب علينا أن نتفكر في خلق الله -تعالى- ونعمه، وأن نتدبر آياته في هذا الكون وفي أنفسنا، ولا نفكر في ذات الرب -جل وعلا-.

والله المستعان.