محمود عبد الحفيظ البرتاوي - رمضان خير شهر للمؤمنين وشر شهر للمنافقين - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أبي هرير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللَّهِ مَا أَتَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا أَتَى عَلَى الْمُنَافِقِينَ شَهْرٌ شَرٌّ لَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ لِمَا يُعِدُّ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ لِلْعِبَادَةِ، وَمَا يُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ غَفَلَاتِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ، هُوَ غنْمٌ الْمُؤْمِنُ يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ) (رواه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح).

هذا الحديث الشريف مِن أعلام نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم يزل -مِن زمنه عليه الصلاة والسلام إلى زمنا هذا وما سيليه- للمؤمنين إعداد واستعداد لرمضان؛ فالمؤمنون يستعدون لرمضان قبل دخوله بتهيئة النفس للعبادة والطاعة فيه، وتوفير ما يحتاجونه من القوت والنفقات حتى يتفرغوا لطاعة الله فيه -عز وجل- وحسن عبادته في رمضان.

وكذلك الأمر بالنسبة للمنافقين والفاجرين: فإنهم يستعدون أيضًا لرمضان، ولكن استعدادهم مِن نوعٍ آخر؛ فهم يستعدون لرمضان بتهيئة نفوسهم على الانصراف عن طاعة الله، بل وصرف غيرهم كذلك، بقطع الطريق على مِن أراد السير إلى الله في رمضان والتوبة والرجوع إليه، ونظرة واحدة إلى ما يُعلن عنه من عشرات البرامج والمسلسلات التي تمتلئ بإثارة الشهوات والحض على الفساد تبيِّن ذلك، تفضح نواياهم وتكشف سترهم.

فيحرص المنافقون والفاجرون على إيذاء المسلمين في أعظم وقتٍ وزمنٍ ينشغلون فيه بطاعة الله ومرضاته؛ ألا وهو "شهر رمضان المبارك"؛ فيتتبعون عورات الناس وغفلاتهم ويشيعون ذلك على الملأ لينصرف بذلك مَن شاء الله أن ينصرف عن هذا الزمن الفاضل، ويظنون أن هذه غنيمة اغتنموها، وهي في الحقيقة نقمة ولعنة يستوجبون بها العذاب الأليم مِن الله -تعالى- في الدنيا والآخرة، كما توعد الله -سبحانه- هذا الصنف بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور:19).

فرمضان للمؤمن خير شهر وفرصة العمر بالنسبة له، فلابد أن يحذر فيه مِن قطاع الطرق إلى الله ولا ينشغل بهم وقنواتهم، ويقبل على طاعة الله ومرضاته حتى يكون رمضان هو خير شهر مرَّ عليه.

وليستحضر أن لذة المعصية زائلة فانية، وأن الطاعة تزول مشقتها ويبقى أجرها وثوابها، والله -تعالى- وَعدَ بقبول الطاعات والقربات مِن المتقين لا المخلطين والمسيئين، فقال -سبحانه-: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(المائدة:27).

ولقد أحسن مَن قال:

لا تـجعلن رمضـان شهر فكاهة          تـلهـيـك فيه مـن القبيـح فنونه

واعــلـم بأنـك لا تــنـال قـبـوله          حتى تكون تصومـــه وتصونه