رجب صابر - عِبَر من التاريخ (لكن الله يعلمهم) - بوابة الفتح الالكترونية
رجب صابر
2019-07-10 18:15:48

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي فتح نهاوند ببلاد فارس دروس عظيمة وفوائد كثيرة، فقد ذكرنا في مقال سابق أن الفرس عبروا إلى المسلمين، وكان رأي المغيرة بن شعبة أن يعجلهم بالقتال، لكن النعمان بن مُقَرِّن انتظر حتى تزول الشمس اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

قال جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ: "ثُمَّ قَالَ النُّعْمَانُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَقَرَّ عَيْنِي الْيَوْمَ بِفَتْحٍ يَكُونُ فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ، وَأَهْلِهِ وَذُلُّ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ اخْتِمْ لِي عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَمِّنُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَأَمَّنَا وَبَكَى وَبَكَيْنَا، ثُمَّ قَالَ النُّعْمَانُ: إِنِّي هَازٌّ لِوَائِي فَتَيَسَّرُوا لِلسَّلَاحِ، ثُمَّ هَازُّهُ الثَّانِيَةَ، فَكُونُوا مُتَيَسِّرِينَ لِقِتَالِ عَدُوِّكُمْ بِإِزَائِهِمْ، فَإِذَا هَزَزْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَلْيَحْمِلْ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَهَبَّتِ الْأَرْوَاحُ كَبَّرَ وَكَبَّرْنَا، وَقَالَ رِيحُ الْفَتْحِ وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لِي وَأَنْ يَفْتَحَ عَلَيْنَا فَهَزَّ اللِّوَاءَ فَتَيَسَّرُوا، ثُمَّ هَزَّهُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ هَزَّهُ الثَّالِثَةَ، فَحَمَلْنَا جَمِيعًا كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ" (رواه ابن حبان، وصححه الألباني).   

وفي رواية معقل بن يسار: "قال النعمان: إني هازٌّ لوائي ثلاث هزات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية: ينظر الرجل إلى شسعه -نعله- وزمَّ -شَدَّ- من سلاحه، فإذا هززت الثالثة؛ فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان فلا يلوين عليه أحد، وإني داعي الله بدعوة، فأقسمت على كل امرئ مسلم لَمـَا أمَّن عليها، فقال: اللهم ارزق النعمان اليوم الشهادة في نصر وفتح عليهم. قال: فأمَّنَ القوم. قال: فهزَّ ثلاث هزات، ثم قال: سَلَّ درعه، ثم حمل وحمل الناس، قال: وكان أول صريع... إلى أن قال معقل:  ففتح الله على المسلمين" (مصنف ابن أبي شيبة).

فكتب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلما قدم عليه قال: "أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِفَتْحٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَأَذَلَّ فِيهِ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَقَالَ: النُّعْمَانُ بَعَثَكَ؟، قَالَ: احْتَسِبِ النُّعْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَكَى عُمَرُ وَاسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: وَمَنْ وَيْحَكَ، فَقَالَ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ نَاسًا ثُمَّ قَالَ وَآخَرِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَعْرِفُهُمْ، فَقَالَ: عُمَرُ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ- وَهُوَ يَبْكِي لَا يَضُرُّهُمْ، أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ عُمَرُ، لَكِنَّ اللَّهَ يَعْرِفُهُمْ" (صحيح ابن حبان ومصنف أبي شيبة).

فتأمل في حرص النعمان على الشهادة مع رغبته في الفتح والنصر، وانتبه لبراعته في طريقة هجومه بالمسلمين على العدو!

وقِف كثيرًا مع قول عمر: "لَكِنَّ اللَّهَ يَعْرِفُهُمْ"، فلا يضر مَن بذل لدين الله أن يكون مجهولًا لدى الخلق، فإن الله يعلمه، ولا يقلل مِن شأن الباذلين المخلصين ألا يَنسب الناس الفضل إليهم، فإذا كنا لا نعلمهم فإن الله يعلمهم.

وكم في التاريخ من عِبَرٍ، فاعتبروا يا أولي الأبصار.