سعيد محمود - صفات عباد الرحمن (5) الخوف من الله - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-10-03 00:37:37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى الشاهد مِن الآيات على الصفة: قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الفرقان:65-66).

قال القرطبي -رحمه الله-: "أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون مِن عذاب الله" (تفسير القرطبي).

- هذه صفة كل مؤمن مخلص يجتهد في طاعه الله، وفى ذات الوقت يخشى عذاب الله وعدم القبول: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون:60-61)، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله قول الله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ): أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قال: (لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا".

- مدخل للعناصر التالية: الإشارة الى أن ذلك هو أحد نوعي الخوف من الله، تمهيدًا للكلام عن أنواع الخوف وثمراته، والأسباب الجالبة له.

(1) أنواع الخوف من الله:

الخوف من الله يكون على نوعين:

أحدهما: الخوف من مقام الله -عز وجل-.

والثاني: الخوف من عذاب الله.

أولًا: الخوف من مقام الله:

- هو الخوف من مقامه -تعالى- على عباده بالعلم والاطلاع، والسلطان والقدرة والتقدير، وجميع المعاني التي تشتمل عليها أسماؤه وصفاته: قال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران:28).

- كلما زادت معرفة العبد بربه زاد خوفه، وظهر ذلك على جوارحه وعمله: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ‍ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء:41)، رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ. (متفق عليه)، وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بن كعب -رضي الله عنه-: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) (البينة:1)، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: (نَعَمْ) فَبَكَى. (متفق عليه).

ثانيًا: الخوف من عذاب الله:

- هو الخوف من عقابه ووعيده -سبحانه- للمخالفين لأمره ونهيه: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) (الزمر:16)، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم:71-72).

- الصالحون يجمعونه بالأولى فيزدادون خوفًا على خوفهم: قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)، قالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وُجُوهَهُمْ لهمْ خَنِينٌ) (متفق عليه)، وقرأ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ . مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ . يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا . وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا . فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) (الطور:7-11)، فبكى ومرض في بيته حتى عاده الناس، وكان يردد كثيرًا: "لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا" (أخرجه ابن ابي شيبة في مصنفه، والبيهقي في الشعب)، وتقرأ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في صلاتها: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (الطور:25-27)، فتبكي وتظل ترددها.

(2) منِ ثمرات الخوف من الله:

- الخوف من الله يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (الإنسان:9-10).

- الخوف من الله يزجر عن الشهوات والمعاصي: قال أبو عثمان الهندي -رحمه الله-: "صِدْقُ الْخَوْفِ: هُوَ الْوَرَعُ عَنِ الْآثَامِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا" (مدارج السالكين، 1/510)، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( ... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ... ) (متفق عليه).

- الخوف من الله في الدنيا أمان يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح).

- الخوف من الله في الدنيا يجعلك من أهل الكرامة يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ:.. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ، وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (متفق عليه).

- الخوف من الله من أسباب مغفرة الكبائر والعظائم إذا ختم به العمل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا، فَقَالَ: لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ، قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ، قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ) (متفق عليه).

(3) أسباب جالبة للخوف من الله:

- العلم النافع... فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد خوفه وزادت خشيته: قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "من علم عظمة الإله، زاد وجله"، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا"، وقال الشعبي: "العلم الخشية".

- معرفة فضل الخوف من الله وثمراته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بكَى من خَشيَةِ اللهِ حتى يعودَ اللبَنُ في الضَّرْعِ... ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- تذكر عذاب جهنم: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الفرقان:65-66)، وقال -تعالى-: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) (الإنسان:4)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ) (رواه مسلم). (استدعاء مشهد احتراق بعض الناس في حادث قطار القاهرة، وكيف تفحموا في ثوان معدودة، فكيف بنار جهنم؟! أعادنا الله منها).

- سماع الخطب والمواعظ وقراءة الكتب المرققة للقلوب: قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال:2)، وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: "وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا بَعْدَ صَلاَةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

- الدعاء وسؤال الله الخوف منه: كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ... ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

فاللهم نسألك أن تملأ قلوبنا خشية منك.