حسن حسونة - نعمة الأمن وسبل تحقيقه (1) - بوابة الفتح الالكترونية
حسن حسونة
2019-10-09 06:55:11

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنعم الله على العباد كثيرة، ومننه عظيمة لا تعد ولا تحصى، قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:18).

ومن بين هذه النعم: نعمة الأمن والأمان، والاستقرار، ولا يشك عاقل في أهميتها للفرد والمجتمع، والأمم والشعوب، فمِن خلال الأمن يقيم الناس دينهم ودنياهم؛ فإقامة الدين من خلال إقامة العبودية الحقة لله، وإقامة الصلاة والصيام والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر دعوة الحق بين الخلق وغيرها من المصالح الدينية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن والاستقرار، وبضده لا تكون.

ويقيم الناس دنياهم من خلاله، فيخرج الناس لمزاولة أعمالهم وأشغالهم، ومصانعهم ومؤسساتهم، يتبايعون ويشترون، ويخرجون لأسواقهم في أمن واستقرار، وبضده لا يكون ذلك، بل يخاف الناس ويفزعون؛ فلا تقام مصالح الناس الدينية ولا الدنيوية إلا بأمن واستقرار.

إذًا فهو مِن النعم العظيمة للإنسان في الكون، ولا يشعر بها إلا مَن فقدها وحرمها؛ فللنظر إلى مَن حولنا من الشعوب والبلاد التي قد حرمت ذلك، كحال إخواننا في فلسطين أو سوريا أو اليمن أو ليبيا، وغيرها؛ فانظر إلى أثر فقد الأمن والأمان على البلاد والعباد، ولا ينبئك مثل خبير، حرموا الأمان على أنفسهم وعلى أولادهم وعلى أعراضهم، فنسأل الله السلامة والعافية، وأن يمتعنا واياهم بنعمة الأمن والأمان والاستقرار.

وتزداد أهمية هذه النعمة حيث عدها النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد الركائز الثلاثة التي مَن حاذها فقد حاز الدنيا بأسرها، كما جاء في الحديث: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، أي: بأسرها.

والناظر في الحديث يلحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأ بالأمن، فقال: (آمِنًا فِي سِرْبِهِ)؛ لأنه بالمقارنة بالنعم الأخرى: (مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ) هل يستريح بهما دون أمن؟!

تخيل ذلك... الناس أصحاء، وأغنياء، لكن لا يوجد أمن ولا استقرار؛ فهل تتحقق لهم السعادة؟! لا شك أن الإجابة: لا.

وقد امتن الله على المجتمع المكي بهذه النعمة التي يقيمون بها أمور معاشهم، ثم أمرهم بإقامة أمر دينهم بالعبادة والإخلاص له، وترك عبادة الأوثان والأصنام التي لا تنفعهم، بل تضرهم، فقال: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش)، فحصلت لهم هاتين النعمتين: نعمة الطعام ونعمة الأمن، فالمطلب: أن يفردوه بالعبادة وحده لا شريك له.

قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: "هذا بمثابة التعليل الموجب لأمرهم بالعبادة؛ لأنه -سبحانه- الذي هيَّأ لهم هاتين الرحلتين اللتين كانتا سببًا في تلك النعم عليهم، فكان واجبهم أن يشكروه على نعمه، ويعبدوه وحده" (انتهى).

ولمكانة الأمن والأمان دعا الخليل -عليه السلام- لأهل مكة به قبل الرزق؛ قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (البقرة:126)، وفي سورة إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) (إبراهيم:35).

وقد استجاب الله لدعوة الخليل وبيَّن مننه الكثيرة ونعمه العظيمة على حرمه الشريف، فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (العنكبوت:67).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا مِن مننه وفضله على قريش فيما أحلهم مِن حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنًا، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا" (تفسير ابن كثير).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.