وتحققت نبوءة النبي -صلى الله عليه وسلم-!

  • 235

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أعني بهذا العنوان: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ؟) (متفق عليه).

وما أروع هذا التصوير النبوي لهؤلاء المبهورين المهزومين عقديًّا وثقافيًّا بالغرب، أنهم يسارعون لدخول حجر الضب تقليدًا لأسيادهم مع كون ذلك لا فائدة تعود عليهم منه. والله المستعان.

تقلب ناظريك هذه الأيام -ومع اقتراب مواسم أعياد المشركين-؛ فتجد آثار هذا الانبهار باديًا عليهم في حلقات عقيدية، ومقالات كذلك؛ لتوطين الناس على المشاركة في هذه المراسم بحجة المواطنة تارة أو بزعم حسن المعاملة تارة أخرى، وربما تطور الحال بآخرين فاستدلوا على بدعتهم هذه بأدلةٍ شرعيةٍ. والله المستعان.

لذا لابد أن يكون المسلم واعيًا على بصيرة، عالمًا بحكم هذه المناسبات وحكم المشاركة فيها ليحصن نفسه وغيره مِن أن يصاب برذاذ هذا الباطل الذي قد يصل إلى الشرك في بعض الصور.

والعجيب أن الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه على الحديث يقول: "والمراد بالشبر والذراع، وجحر الضب: التمثيل بشدة الموافقة لهم. والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فقد وقع ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم-" (شرح النووي على صحيح مسلم).

ولعل هذا الكلام مِن الإمام على الغالب، وإلا فالموافقة في الكفر لا شك حاصلة قديمًا وحديثًا، كما سنذكر في صور هذه الموافقة ودرجاتها.

وعجب آخر نجده في شرح الحافظ ابن حجر للحديث؛ إذ يذكر: "أن ذكر الضب هنا؛ لأنه يُقال له: "قاضي البهائم!"، والتخصيص بجحر الضب؛ لشدة ضيقه ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم" (فتح الباري).

وهناك روايات أخرى تزيد الأمر وضوحًا، فعند الطبراني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَتْرُكُ هَذِهِ الْأُمَّةُ شَيْئًا مِنْ سَنَنِ الْأَوَّلِينَ حَتَّى تَأْتِيَهُ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حُلْوَهَا ومرها. قَالَ ابن بَطَّالٍ: أَعْلَمَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَتَّبِعُ الْمُحْدَثَاتِ مِنَ الْأُمُورِ وَالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ أَنْذَرَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ بِأَنَّ الْآخِرَ شَرٌّ، وَالسَّاعَةُ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، وَأَنَّ الدِّينَ إِنَّمَا يَبْقَى قَائِمًا عِنْدَ خَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ" (فتح الباري).  

وفي بيان سبب هذا الاتباع الأعمى يقول الإمام الزهري -رحمه الله-: "إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين استقلوا الرأي وأخذوا فيه".

وعن عمر -رضي الله عنه- قال: "فساد الدين إذا جاء العلم مِن قِبَل الصغير استعصى على الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم مِن قِبَل الكبير تابعه الصغير". والمراد بالصغر كما (ذكر أبو عبيد) صغر القدر لا السن كما في الفتح.

وهذان السببان موجودان بالفعل: تتبع الآراء والانتصار منها بحسب الهوى والتشهي، وصرف الناس عن الوحي (كتابًا وسنة) إلى الآراء والأقوال، والتقليد الأعمى عند البعض والتعصب وتقديم المعتمد في المذهب على النص الشرعي أو الأمر المجمع عليه أو القياس الجلي، وهذا مِن أسباب الانحراف والضلال.

كذلك اتباع الأصاغر من أهل البدع أو أحداث الأسنان في العلم الذين لم يتمرسوا به ولم يدرسوه على أهله وإنما همهم وغرضهم تتبع المتشابهات والغرائب ونشرها في الناس؛ لينالوا شهرة وصيتًا. والله المستعان.

لذا ستبقى هذه الأمة بخير ما عادت إلي أصولها: (الوحي -كتابًا وسنة-، الإجماع القديم، القياس الجلي)، وقدَّمت ذلك على الآراء والأهواء، وكذا ما ارتبطت بالعلماء الربانين مِن الأسلاف ومَن تابعهم مِن المعاصرين.

نعوذ بالله مِن الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.