مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (9) الخمر والمخدرات

مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (9) الخمر والمخدرات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن مِن أخطر أسباب العنف، والعداوة والبغضاء، والقسوة بين البشر: الخمر "ومنها المخدرات"؛ بل هي أسوأ أنواعها، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة:90-91)، وقد سمَّى الناس العقل عقلًا؛ لأنه يعقل، أي يمنع ويحبس صاحبه من الشرور والآثام واتباع الشيطان، فإذا غاب العقل انطلق الشيطان يلعب بالإنسان، ويستعبده لنشر الفساد والعداوة والبغضاء بين الناس.

كما أنه يصده عن ذكر الله وعن الصلاة فتصبح المعركة كأنها من جانبٍ واحدٍ؛ إذ فقد الإنسان جنوده من العمل الصالح والقول الطيب الذي يغلب به الشيطان؛ فتتغلب عليه الإرادات الشيطانية من إرادة العلو والفساد، فضلًا عن الإرادات الأرضية الحيوانية التي شرع الله  -عز وجل- لها إطارًا تتحقق به مصالح العباد، ويدفع به عنهم الفساد، فإذا غاب العقل عن التزام هذه الضوابط انطلق الإنسان وراء الشهوات المحرمة؛ ولذا تكون الخمر والمخدرات مادة أساسية على مائدة السهرات الحمراء، والنوادي الليلية الممتلئة بالفواحش والغناء المحرم؛ ولذا قرن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين هذه الأشياء في الحديث الصحيح: (لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ) (رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الطبراني والبيهقي وابن عساكر، وصححه الأئمة: كالنووي، وابن حجر، والألباني -رحمهم الله-).

 وقد سبق أن الفواحش مِن أسباب القسوة في المجتمع، فتكون الخمر وقرينتها المعازف مع الفواحش من أعظم أسباب انتشار القسوة، ولا شك أن شرب الخمر والمخدرات إنما هو محاولة فاشلة للهروب من واقع التعاسة الذي يعيشه شارب الخمر والمخدرات على خلاف ما يتمناه، ولو كان سعيدًا لما رغب في أن يغيب عقله عن الواقع؛ بل هو يريد أن يعيش في عالم الوهم والخيال الذي يحلم به؛ فيدمر الإدراك والإحساس بالواقع الذي خلقه الله له، وخلق له أدواته من السمع والبصر والعقل، نعمة منه عليه؛ ليستطيع التمييز بين الخير والشر، فإذا شرب الخمر زال ذلك الإدراك، واختلطت الحقيقة بالخيال، وتوهم الإنسان زوال الحاجز بينهم فيطير مع هذه الأحلام حتى إذا زال مفعول المخدرات؛ كان كالطائرة التي نفد وقودها في الجو فارتطمت في الأرض فتحطمت!

وفي كل مرة يأخذ المدمن جرعة المخدرات ثم يستيقظ منها يتحطم جزء من مخه ونفسيته؛ فيطلب العودة إلى الخيال؛ فيحدث مزيدٌ مِن الإدمان، وفي سبيل الحصول على ما أدمنه يكون الشخص مستعدًا للقتل والسرقة - ولو من الأقارب-، وضرب الوالدين والزوجة والأبناء، بل وبيع العرض، حتى أخبرتني زوجة أحدهم أن زوجها المدمن أدخل عليها بعض أصدقاء السوء في مقابل الحصول على المخدرات لمَّا عجز عن ثمنها! نسأل الله العافية.

فتحصل أنواع القسوة البالغة بسبب الإدمان للخمر والمخدرات؛ ولذا كثر تحذير الشرع من الخمر، والمخدرات التي هي نوع منها، بل مِن أسوأ أنواعها؛ لسرعة الإدمان عليها وتدميرها للنفسية والمخ أسرع من الكحول، وإن كانت الكحوليات تتميز بتدمير الكبد، وحصول التليف الكبدي المؤدي للفشل الكبدي والغيبوبة الكبدية أكثر من باقي المخدرات.

 ولقد بدأت الإشارة إلى قبح الخمر والسُّكْر في آيات القرآن المكية في سورة النِّعَم "التي هي سورة النحل"، قال الله -تعالى- ممتنًا على عباده مما أخرج لهم من الثمرات: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل:67)، فأثنى -سبحانه- على ما يؤكل منها أو يصنع؛ لقوله: (وَرِزْقًا حَسَنًا)، ولم يثنِ على السَّكَر أي المُسْكر؛ ليدل على أنه ليس حسنًا، بل هو قبيح، ختمت الآية بوصف المنتفعين بآيات الله أنهم يعقلون، والسُّكْر يُذهب العقل فلا ينتفع السكران بآيات الله، وهذا من التنفير الشديد عن الخمر والسُّكْر، وهذا مشهود واقع.

ثم كان وصف الخمر بالخبث في أول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة، قال -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة:219).

ثم نزل تحريم الشرب والسُّكْر قبل موعد الصلاة، فقال -تعالى- في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء:43)، ثم كان التحريم القاطع النهائي الأبدي في سورة المائدة، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

وبيَّن -سبحانه- الحكمة في هذا التحريم، فقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)، وهذا التدرج الشديد في التشريع في هذه المسألة خاصة يدل على مدى صعوبة علاج الإدمان، والحاجة إلى تهذيب شديد للنفس للفطام عن الخمر والمخدرات، وإن كان صادق العزيمة قوي الإيمان المحافظ على الصلاة يستطيع -بإذن الله وتوفيقه- الإقلاع عن المخدرات فورًا، والصبر على آثار انسحاب المادة المخدرة من بدنه.

وأما السنة: فقد وردت الأحاديث الصحيحة الكثيرة لنفي الإيمان عن شارب الخمر، ولعن كل مَن عاون على ذلك، وتحريم التجارة في الخمر، وغير ذلك من أنواع العقوبات؛ وهذا يدلنا على خطورة هذا الأمر، حتى سمع كثير من الصحابة تحذير النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- منه.

ونستكمل -إن شاء- الله ذكر أحاديث السنة في المقالات القادمة، وأهمية ذلك في تربية النشء وتعليمه لهذا الخطر قبل أن يقعوا في براثنه، ومَن عَلِم ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك كان أبعد عن إتيانه، وكان حريصًا على اجتنابه.