الفساد (94) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (6)

  • 245

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتهتم كل دولة بالصناعات الثقيلة والإستراتيجية التي لا قوام لها بين دول العالم المتقدمة إلا بها، ولكونها أيضًا تمثِّل العمود الفقري للصناعة والاقتصاد في الدول الحديثة.

وفي مصر يمثِّل مجمع الحديد والصلب المقام في حلوان مِن أواخر الخمسينيات، (الكيان الوحيد الذي تمتلكه الدولة القائم على تحويل المواد الخام للحديد المستخرج من مناجم أسوان والواحات البحرية إلى مجموعة عديدة من السلع الوسيطة اللازمة لتغطية عديد من القطاعات الصناعية، وليس قطاع التشييد والبناء فقط.

ومن هنا فإن قرار تصفية كيان اقتصادي بهذا الحجم يجب أن يكون على خطة إستراتيجية للدولة خاصة بقطاع التعدين عامة وصناعة الحديد والصلب خاصة) (راجع مقال: تصفية الحديد والصلب جريمة اقتصادية مكتملة الأركان وإهدار للمال العام"، جريدة الأهالي - 24 فبراير 2021 م، ص 5).

(تاريخيًّا: مجمع الحديد والصلب كان حلمًا قوميًّا منذ عام 1932 بعد توليد الكهرباء من خزان أسوان، وظلت محاولات ذلك الحلم تتعثر حتى تحول إلى واقع عام 1954 بإصدار قرار بإنشاء أول مجمع للحديد والصلب في العالم العربي بمنطقة التبين بحلوان برأس مال 21 مليون جنيه، وباكتتاب شعبي بقيمة جنيهين، وتم وضع حجر الأساس على مساحة تزيد على 2500 فدان شاملة المصانع، ومدينة سكنية للعمال والمهندسين، وبتكنولوجيا وخبرات ألمانية ثم روسية).

حيث بدأ العمل بتكنولوجيا ألمانية تعود إلى بدايات القرن العشرين ثم تطورت في الستينيات والسبعينيات بتكنولوجيا روسية تعود إلى حقبة الخمسينيات، (وبرغم الظروف القاسية التي كانت تمر بها مصر أثناء العدوان الثلاثي؛ إلا أن جهود الدولة تضافرت لإنجاز المشروع، وتم تشغيل ميناء الدخيلة لتوريد الفحم اللازم لتشغيل الأفران، وكذلك مد خطوط السكك الحديدية لتوصيل خام الحديد من أسوان والواحات البحرية إلى حلوان.

وفي عام 1957 بدأت الأفران في العمل، وتم افتتاح المشروع عام 1958 ليصل حجم الإنتاج إلى 5 و1 مليون طن من الصلب بأنواعه (صلب مشكل - قضبان سكك حديدية - كمرات حديدية - بلنجات السكك الحديدية - الستائر الحديدية)، وكمدخلات إنتاج لازمة لقطاعات عديدة، وليس فقط قطاع البناء والتشييد، ولكن قطاعات النقل والتعدين والسماد الفوسفوري من حيث الأفران والأسمنت من غاز الأفران، وكذلك توليد الكهرباء لتشغيل بعض آلات المصنع ذاته).

وقد (ظلت مساهمات مجمع الحديد والصلب في الاقتصاد القومي مرتفعة الأداء حتى نهاية فترة التسعينيات، والتي بدأ بعضها في ضعف تدريجي في معدلات الأداء، وتدني تدريجي في اقتصاديات الإنتاج والأرباح، وتزايد الخسائر حتى وصلت 9 مليارات جنيه عام 2020 لتفوق قيمة رأس مال الشركة للقيمة السوقية مع ارتفاع الديون، وانخفاض التنافسية الناتج عن ارتفاع تكلفة الإنتاج بالنسبة لسعر السوق، وبالتالي: انخفاض الحصة السوقية للإنتاج المحلي الذي وصل إلى أقل من1% من السوق المحلي بما يعادل 112 ألف طن.

وقد كان السبب الرئيسي الأول لهذا هو عدم كفاءة ونزاهة الجهاز الإداري، وتعدد الإدارات المتعاقبة لإدارة ذلك الكيان حتى إنه تعاقبت عليه أربع رؤساء مختلفين. والسبب الثاني لانخفاض الحصة السوقية للإنتاج المحلي هو انخفاض ضريبة الواردات على السلع التنافسية المستوردة والاتجاه إلى الاستيراد لانخفاض أسعاره النسبية.

أما السبب الثالث فهو الأزمة العالمية الأخيرة، والركود الاقتصادي عقب جائحة كورونا، والتي أثرت بشكل عام على جميع شركات الحديد والصلب بما فيها شركات القطاع الخاص) (المصدر السابق بتصرف).

الحالة المتدنية لمجمع الحديد والصلب:

(أدَّت الحالة الفنية المتدنية للمعدات إلى انخفاض كميات الإنتاج حيث تم إنتاج 133 ألف طن خلال العام المالي 2017/2018م بنسبة 11 % من الطاقة التصميمية)، وتبلغ الطاقة التصميمية للمصنع 2و1 مليون طن، و(وصلت إلى 10 % في30 يونيو 2020. وأدَّى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج بالمقارنة بسعر البيع.

وعلى سبيل المثال: بلغت تكلفة إنتاج الطن في القطاعات الثقيلة 8 و34 ألف جنيه، وبلغ متوسط سعر البيع 9 آلاف جنيه، وبلغ متوسط تكلفة الطن من الصاج البارد 7 و34 ألف جنيه في حين بلغ متوسط سعر البيع 11 ألف جنيه، وذلك الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع ينطبق على جميع منتجات الشركة).

في عام 2014 قامت شركة (تاتا ستيل) الاستشارية البريطانية بإجراء دراسة لها (وفي تحليلها أشارت إلى أن أهم عناصر القوة هو استحواذها على مناجم الخامات الخاصة بها، خامات الحديد والحجر الجيري، بينما الوزير الحالي يعمل لفصل المناجم عن شركة الحديد والصلب المصرية، وتكوين شركة للمناجم مع شريك أجنبي) (راجع ملف: أسرار إجبار الحكومة على تصفية شركة الحديد والصلب وتشريد آلاف العمال، النبأ - عدد السبت 23 يناير 2012م، ص 2).

(في بداية عام 2018 م تم الاستعانة بشركة (تاتا ستيل) مرة أخرى لتحديث الدراسة التي أعدتها في 2014 لمرور 4 سنوات من تاريخ إعداد التقرير الأول، وتم تلقي التقرير المبدئي في يوليو 2018 والذي أشار إلى حدوث أضرار كبيرة في الأفران نتيجة سوء التشغيل خلال الـ4 سنوات، وعدم قدرة الاستشاري على تحديد حجم الضرر، وبالتالي سبل الإصلاح.

كما أشار إلى مدى واسع للاستثمارات المطلوبة، وطلب الاستشاري تشغيل الأفران بالطاقة القصوى لمدة 3 أشهر متصلة مع رصد النتائج يوميًّا، وهو ما لم تتمكن من عمله الشركة إذ بلغ مدى التشغيل المستمر 12 يومًا فقط.

في الربع الأول من عام 2019 تم دعوة بعض الشركات العالمية المتخصصة لتطوير وإدارة الشركة لمدة 20 عاما بتمويل لا يقل عن 100 مليون دولار، مع تقديم الحوافز لها وتقليص العمال إلى 4 آلاف وسداد مديونيات الشركة البالغة حوالي 5و6 مليار جنيه، وتم سحب كراسة الشروط من 5 شركات وتقدم عرض وحيد على أساس مقاولة (إي بي سي)، وليس شراكة كما كان مطلوبًا.

وبالتوازي مع محاولة البحث عن الشريك المتخصص كانت هناك إجراءات هيكلية ذاتية تقوم بها الشركة القابضة بإشراف من الوزارة، ومنها: تسوية بعض المديونيات المتزايدة على الشركة، والتي تعدت الـ9 مليارات جنيه، وتم بالفعل تسوية مديونيات لبنك مصر، ووزارة البترول بقيمة 2و1مليار جنيه) (راجع مقال: "دعوى قضائية لوقف بيع الشركة وغضب شعبي من سيناريو النهاية" جريدة النهار- 20 يناير 2021م، ص 3).

دور مجالس إدارات الشركة في المأساة:

(توالى على مقعد رئيس مجلس إدارة الشركة 4 رؤساء حيث تقدَّم رئيس مجلس إدارة الشركة باستقالته في نوفمبر2017 م بعد أربعة أشهر فقط من تعيينه، ليتم اختيار رئيس جديد لمجلس الإدارة بدلًا منه، لكنه لم يستمر أيضًا سوى 6 أشهر ليتبعه رئيس آخر، والذي عمل لمدة 5 أشهر فقط، قبل أن يتم اختيار رئيس جديد للشركة من نوفمبر2017 حتى أكتوبر 2020.

وارتفعت خسائر الشركة خلال العام المالي 2018/2019 بنحو 20% لتصل إلى 4و1 مليار جنيه مقابل 2 و1 مليار في العام 2017 / 2018، وتراجعت إيرادات النشاط في الشركة خلال العام المالي 2018/ 2019 بنسبة 2 و23 % نتيجة انخفاض كمية المبيعات بحسب التقرير السنوي للشركة) (راجع: أسرار إجبار الحكومة على تصفية شركة الحديد والصلب، النبأ - 23 يناير2012 م، ص 3 بتصرفٍ).

وتواجه وزارة قطاع الأعمال تحديات كبيرة في تطوير شركة الحديد والصلب حيث تعاني الشركة من تقادم التكنولوجيا المستخدمة في الإنتاج، والتي يعمل أغلبها منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وقد أرجعت الشركة في تقرير مجلس إدارتها للبورصة المصرية في يناير 2017م (انخفاض كميات الإنتاج نتيجة انخفاض كمية فحم الكوك المورد من شركة الكوك، والتي بلغت حوالي 25 % من الكميات التي ينص العقد عليها حيث يتم توريد كمية تراوحت بين 250 إلى300 طن يوميًّا من الفحم الخشن بدلًا من 1200 طن يوميًّا طبقًا للعقد.

وأوضحت الشركة أن فحم الكوك يمثِّل أحد عنصري إنتاج الحديد الزهر مع اللبيد في الأفران العالية، ولما كان نقص فحم الكوك يعود بالسلب على إنتاجية الأفران العالية؛ لذا كان انخفاض توريدات شركة النصر لصناعة الكوك وراء انخفاض الإنتاج، كما تأثرت المحولات الأكسوجينية نتيجة توقف الإنتاج حيث زادت استهلاكات الطاقة لكلِّ طن صلب، وزادت كمية الحراريات المستخدمة، وأضافت تقادم المعدات الإنتاجية وزيادة الأعطال ما يتسبب في نقص كميات الإنتاج ويؤثِّر سلبًا على جودتها.

وثالثًا: تحرير أسعار الصرف للجنيه مقابل العملات الأجنبية ما أدَّى إلى زيادة وتضاعف أسعار المستلزمات، وأهمها: فحم الكوك؛ بالإضافة إلى زيادة أسعار الطاقة من غاز وكهرباء) (المصدر السابق بتصرف).

وكانت الشركة قد درست (مقترحًا لتطوير الشركة قدمته الشركة الأوكرانية (فازماشيمبيكس) بتكلفة تصل إلى 250 مليون دولار، وتضمن المقترح تحديث الشركة المصرية للحديد والصلب واستعادة أدائها الطبيعي على مرحلتين وَفْقًا لتقييمات متخصصي الشركة والبيانات التي حصلت عليها الشركة مع تنفيذ أعباء العمل التالية قدر المستطاع.

تشمل المرحلة الأولى إعادة إنتاج ما لا يقل عن 900 ألف طن من المنتجات النهائية سنويًّا، وفي هذه الحالة من الضروري تحديث مصنع التلبيد وورشة التحويل، وآلة الصب المستمر، وإنتاج الجير والدولوميت، ومسار السكك الحديدية بين الفرن العالي (فرن الصهر)، وورشة التحويل وفقًا للمقترح.

والمرحلة الثانية من تحديث شركة الحديد والصلب أشار المقترح إلى أنه من الضروري الترتيب لزيادة الإنتاج إلى 5و1 مليون طن من المنتجات النهائية سنويًّا، وفي هذه المرحلة يجب ترميم الفرن العالي رقم 4 وترميم محطة الأكسجين رقم 2 وترميم المحطة المركزية للتحكم في توريد الطاقة.

وقالت شركة (فازماشمبيكس) إنه وَفْقًا لخبرة علماء المعادن الأوكرانيين يقدر تحديث مصانع التعدين وعبء العمل الموضح بحوالي 250 مليون دولار، كما تقدَّر فترة استرداد أموال المشروع ولإقامة عمل فعال وتوفير المواد الخام عالية الجودة بين 4 و5 سنوات.

وَفْقًا للمقترح فإنه من المفترض أن يتحمل الجانب المصري مسئولية توريد المواد الخام اللازمة (فحم الكوك المعدني عالي الجودة وَفْقًا للمواصفات العالمية، وخام الحديد المخصب، والجير والدولوميت، والفيروسيليكون، وسبائك المنجنيز الحديدي، والعمال والطاقة، والمواد الضرورية الأخرى).

كما سيرسل المستثمر بالإضافة إلى شركة (فازماشيمبيكس) موظفين مهندسين وفنيين مؤهلين تأهيلًا عاليًا إلى شركة الحديد والصلب المصرية، وسيكونون مسؤولين عن الإشراف الفني والدعم لضمان التشغيل المستمر لجميع المراحل التكنولوجية لإنتاج المعدن وأعمال التسويق) (راجع: "أسرار إجبار الحكومة على تصفية شركة الحديد والصلب" بتصرفٍ).

خلفيات قرار التصفية:

تؤكِّد الوقائع أن قرار تصفية شركة الحديد والصلب الذي أعلن عنه في يناير 2021 ليس قرارًا مفاجئًا، (لكنه وحسب تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات ورد الشركة عليها، والتي تمت مناقشتها في محضري اجتماع الجمعية العمومية العادية لشركة الحديد والصلب المصرية المنعقدين في 15 أكتوبر2019 وفي 11 نوفمبر 2019 فإن قرار عدم استمرار الشركة التي تجاوزت الخسائر المتراكمة عليها 9 مليارات جنيه كان توصية من الجهاز المركزي للمحاسبات الذي سجَّل في ملاحظاته الواردة بتقريره عن الشركة أن هناك شكًّا جوهريًّا في استمرارية الشركة في ظل عدم قدرتها على سداد الالتزامات والمتطلبات المالية، وهو ما يظهر جليًّا في تراكم المديونيات للموردين الرئيسيين للشركة والبالغة نحو 5 مليارات و372 مليون جنيه لعام 2019 مقابل 4 مليارات و500 مليون لعام 2018، منها: 3 مليارات و531 لشركة الغاز، ومليار و271 مليونا لشركة الكهرباء، و462 مليون جنيه لشركة الكوك، و126 مليون جنيه لسكك حديد مصر.

من جانبها: ردَّت الشركة على الجهاز المركزي للمحاسبات بأنها اتخذت بعض الخطوات لتحسين الوضع المالي للشركة، وبدأت بالفعل في تسديد المديونيات التي عليها بواقع 6 ملايين جنيه شهريًّا لشركة الغاز و6 ملايين جنيه شهريًّا لشركة الكهرباء، فضلًا عن دراسة استغلال الأصول غير المستغلة، وإعادة هيكلة العمالة والتي بدأت بالفعل لينخفض عدد العمال بالشركة من 7997 عاملًا عام 2018 إلى 7502 عاملًا عام 2019 (راجع: "دعوى قضائية لوقف بيع الشركة" جريدة النهار 20 يناير2021م، ص 3 بتصرفٍ يسيرٍ).

نتائج تصفية مجمع الحديد والصلب:

(1- خروج الدولة شبه النهائي من المشاركة الفعالة كمنتج لأحد أهم الصناعات الإستراتيجية الوسيطة في قطاع التصنيع والتعدين المحلي حيث إن مجمع الحديد والصلب يمثِّل أحد كيانين يتبعان الحكومة من 33 شركة على مستوى الدولة، منها: 29 شركة قطاع خاص، وكذلك واحد من أربع شركات في مصر تمتلك مصانع متكاملة تعمل على جميع مراحل تصنيع الحديد بداية من استغلال المادة الخام المتوفرة، بعكس باقي الشركات القائمة على استيراد البليد (الحديد نصف المصنع)، وإعادة تشكيله لإنتاج حديد التسليح فقط. وبالتالي: تصفية ذلك الكيان تعني فقدان الدولة في المشاركة في أكثر من نصف إنتاج السوق المحلي من شركات حكومية، وانعكاسات ذلك على أسواق السلع الصناعية الوسيطة والنهائية.

2- القضاء على واحدة من المصانع القائمة على استخدام المادة الخام الناتجة من مناجم أسوان ثم الواحات، والقيام بفصل المناجم في شركة منفصلة مستقلة قائمة فقط على استخراج الخام ثم بيعه وتصديره بأسعار متدنية، ثم استيراد حديد تام الصنع بالأسعار العالمية.

3- التعويض المالي الذي يسمح للعاملين بعد قرار التصفية سيحمل ميزانية الدولة إجمالي 2 مليار جنيه وبمعدل 250 ألف جنيه للعامل، وهذا يتضمن البُعد الاجتماعي من تعرض 7 آلاف عامل بأسرهم للدخول في حلقة البطالة والفقر)، (حيث مبالغ التعويض ذاتها لن تكفي لإقامة مشروع صغير خاصة مع عدم وجود خبرة في إدارة الأعمال أو العمل بمجالات أخرى مما يعني تعرض أكثر من 30 ألف مواطن للدخول في حلقة الفقر)، هذا إلى جانب فقد ما عند هؤلاء من خبرات أو توجههم بها للعمل في دول أخرى.

4- غلق كيان اقتصادي راسخ في مجال الصناعات الثقيلة بهذا الحجم الاقتصادي، والذي تكلف بناؤه سنوات ومجهود وموارد، والخروج النهائي للدولة وبلا رجعة لقطاع الصناعات الثقيلة وذلك لصعوبة إعادة بناء بنيان بهذه التكلفة) (المصدر السابق بتصرفٍ).

وبناءً على ما سبق: وبما أن قطاع الحديد والصلب القائم على استخدام المواد الخام هو قطاع محوري في مجال التعدين والصناعة المحلية، ويوافق إستراتيجية الدولة فيما يخص تطوير الصناعات الثقيلة، فإن ما حققته شركة الحديد والصلب بحلوان من خسائر في الفترة الأخيرة، وتراكم ديون وارتفاع تكاليف الإنتاج فيها ليس لسبب هيكلي ناتج من عدم أهمية المنتجات النهائية بالنسبة لاحتياجاتنا المحلية، ولكنه ناتج من خلل إداري، وعليه ليس الحل الوحيد هو تصفية الشركة التي تحقق خسائر لسوء الإدارة، إنما الذي ينبغي هو محاسبة الإدارة التي أساءت، وإعادة هيكلة هذه الإدارة خاصة، وأنها للشركة بُعد إستراتيجي قومي تاريخي، (ولكننا نعلم أن محاربة الفساد الإداري يحتاج إلى جهد أكبر بكثير من المجهود اللازم للغلق والتصفية) (المرجع السابق جريدة الأهالي 24 فبراير 2021 بتصرفٍ).

إن (انخفاض الكفاءة الإدارية مشكلة كبرى تهدد الكثير من القطاعات والشركات الحكومية والخاصة، وفيما يخص مجمع مثل الحديد والصلب، فإن حلها يكون من خلال إعادة الهيكلة الإدارية بهدف رفع الكفاءة، وكذلك الاستعانة بشريك أجنبي إستراتيجي كما حدث بالفعل عند إنشاء المجمع، وبالفعل حتى أكتوبر 2020 كانت إحدى تلك الشراكات مطروحة من خلال شريك أوكراني قائمة على ضخ 250 مليون دولار، والذي قدر فترة استرداد أموال المشروع لأربع أو خمس سنوات مع الإمداد بالموارد الإنتاجية والبشرية اللازمة للتجديد والترميم والإشراف، ويتحمل الجانب المصري توريد جميع المواد الخام اللازم (فحم الكوك، خام الحديد المخصب، سبائك المنجنيز)، بينما يقدِّم الجانب الأوكراني المهارات الإدارية العليا المتخصصة)، وبصرف النظر عن الأسباب التي أعاقت تنفيذه؛ إلا أن هذا يثبت أن هناك حلولًا بديلة لحماية ودعم كيان اقتصادي ومحوري.

أصول الشركة الضخمة:

رغم هذا التدهور (في إنتاج وأداء الشركة الناتج عن أخطاء متراكمة، أبرزها: عدم الإحلال والتجديد للمعدات وعدم تطويرها مما انعكس على الأعطال التي وصلت إلى تعطل 92 % من معدات الشركة؛ إلا أن مجمع الحديد والصلب بحلوان هو بمثابة أكبر مجمع لصناعة الحديد في مصر)، (حيث تمتلك شركة الحديد والصلب أصولًا ضخمة غير مستغلة منها أراضي شاسعة تصل إلى 1489 فدانًا منها 790 فدانًا بحوزة الشركة وضع يد بمنطقة التبين، وكذلك 654 فدانًا مشتراة من الشركة القومية للأسمنت منذ عام 1979 وقطعة أرض بمساحة 45 ألف متر مربع بأسوان نتيجة تسوية نزاعها مع شركة الصناعات الكيماوية (كيما)؛ بالإضافة إلى كمياتٍ ضخمةٍ من الخردة تصل إلى 600 ألف طن، بالإضافة إلى جبل التراب الذي يحتوي على خردة تقدر بـ 700 ألف طن، كما أن مجمع الحديد والصلب وملحقاته يتضمن في مكوناته الأساسية: وحدة للأفران العالية بعدد 2 فرن عال - وحدة تلبيد - وحدة للصلب - توسعات في وحدة درفلة الشرائط - وحدات لتصنيع جلخ الأفران العالية - المسبك - أفران حرق الجير والدولوميت - وحدة تحضير خردة الحديد - المعامل والورش والمخازن المختلفة - وحدة خدمات الغاز - وحدة الأكسجين - وحدة البخار والهواء المضغوط - أبراج التبريد للمياه الصناعية - محطة القوى الكهربائية)؛ هذا إضافة إلى مشروعات تكميلية تابعة للمجمع، مثل: معهد التبين للدراسات العليا المعدنية ووصلات سكك حديد، وأحواش، وشبكة تغذية، مصانع بالكهرباء ومحطة المياه بالتبين) (راجع: "دعوى قضائية لوقف بيع الشركة" جريدة النهار - 20 يناير2021م، ص 3 بتصرفٍ).

إن تفادي تصفية هذه الصناعة الثقيلة يكمن في نظرة متكاملة للحل قائمة على:

(1- القضاء على الفساد الإداري من خلال إعادة الهيكلة الإدارية عن طريق الاستعانة بخبرات وكوادر دولية متخصصة للتعاون إما بطريق الشراكة أو التعاقد، وبشروط ومؤشرات متفق عليها لتقييم درجة الشفافية والنزاهة والتقدم الإداري.

2- التطور التكنولوجي بالتجديد والإحلال من خلال الاستعانة بشريك أجنبي استراتيجي، والذي يقدم إليه الجانب المصري كل التسهيلات الإنتاجية اللازمة.

3- وضع خطة تنموية محددة لقطاع التعدين والحديد والصلب يكون دور مجمع الحديد والصلب فيها واضحًا ومحددًا ليكون المعيار الشمولي لتقييم الأداء على المستوى القومي.

4- اللجوء إلى حق تطبيق سياسة حمائية لحماية السوق المحلي لأحد السلع الإستراتيجية من خلال فرض رسوم حمائية على الواردات المنافسة من الحديد والصلب) (المصدر السابق بتصرفٍ).

مع الأخذ في الاعتبار:

- أن هذا المجمع هو الوحيد الذي يستخدم خام المنجم لإنتاج قوالب وبلاطات والبيليت عن طريق الأفران العالية، وهذه الطريقة تمثِّل 60 % من الإجمالي.

- أن تقنية الأفران العالية تطورت بحيث تستهلك ما يقل عن نصف الطاقة المستخدمة في الستينيات؛ مما يزيد من اقتصاديات الإنتاج في حال التطوير.

- لدى الشركة إمكانيات درفلة هائلة ومحدثة في التسعينيات، وتنتج ألواح صلب ذات مقاسات متنوعة، وغير متاحة في المصانع الأخرى.

- أن هناك أراضٍ شاسعة للشركة غير مستغلة يمكن تقسيمها لإنشاء صناعات صغيرة حول الشركة (قطاع خاص) تعتمد على الصلب (أسوار - صناديق شاحنات - سلالم أثاث معدني)، أي: تطوير هذه الصناعة بفكر إستراتيجي وطني.

- يمكن تحسين السيولة المالية بإنشاء خط إنتاج حديد تسليح باستثمارات معقولة وممكنة تتم في وقتٍ قصيرٍ نسبيًّا يخدم احتياجات السوق المحلية (انظر مقال: "مأساة الحديد والصلب بين التفكير الإستراتيجي والحساب البورصجي" جودة عبد الخالق - جريدة الأهالي عدد 3 فبراير 2012م، ص 4).  

rl(null,true)])