• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (58) حقيقة دين إبراهيم وعلاقته باليهودية والنصرانية (3)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (58) حقيقة دين إبراهيم وعلاقته باليهودية والنصرانية (3)

  • 48

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قوله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:65 -68).

هذه الآيات فيها فوائد:

الأولى: هذه الآية الكريمة هي أقوى حُجَّة عقلية ونقلية على براءة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- من اليهودية والنصرانية الحاليين منذ بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهما قائمتان على تكذيب الرسل، والوقوع في الشرك، وهذا خلاف ما جاء به موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم-، فإنهما جاءا بالإسلام كما كان هو دين أبيهما إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى- مُبينًا كفر اليهود والنصارى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 30- 33).

وقال -تعالى- مُبينًا كفرَ مَن كذَّب رسولًا من رُسله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا . أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 150 - 152)؛ فكيف بمَن كذَّب خاتمهم وأفضلهم سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم؟! وقال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 81).

 فكُفر اليهودِ بعيسى -صلى الله عليه وسلم- واتهامهم أمه بالبهتان العظيم كفرٌ مستقل؛ إضافة إلى عبادة أحبارهم الذين حرَّفوا التوراة وبدَّلوا الأحكام، قال الله -تعالى-: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .  وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء:156 - 159).

وقال -تعالى- مُبينًا تحريف أحبار اليهود لِمَا أنزلَ اللهُ عليهم في التوراة ومسارعتهم في الكفر بذلك: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: 41)، وهذه الآيات نزلتْ في شأنِ تبديلِ اليهودِ حُكمَ التوراة بالرجم، وجعلهم الجلد والتحميم مكان الرجم، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: "ائْتُوا هذا النبي فإنه بُعثَ بالتخفيف؛ فإن حَكمَ لكم بالجلد والتحميم فخذوه، وقولوا حَكمَ به نبيٌ، وإن لم تؤتوه فاحذروا"، وهذا فضلًا عن كفرهم وتكذيبهم برسول الله محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، والقرآن الذي أنزله عليه فيه كلام الله، ومَن كذّب الله؛ فقد كفر به وبأنبيائه وبرسله جميعًا، قال الله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) (الفتح: 29).

وكفر النصارى بعبادتهم للمسيح -صلى الله عليه وسلم- وقولهم بألوهية الأقانيم الثلاثة، وهذا يتضمن عبادة النبي عيسى، وعبادة الروح القدس، وهذا كله من الشرك البيِّن، وكذا اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، حين اتبعوهم على تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهذا كفرٌ مستقل كما بيّنه الله في كتابه، فعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ، وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" قالَ: أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم؛ ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ، وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه" (رواه الترمذي، وصححه الألباني)؛ إضافة إلى كُفرهم بمحمدٍ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن العظيم كلام الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلّا كانَ مِن أصْحابِ النّارِ" (متفقٌ على صحته).

وفي هذا كلِّه -وفي غيره من الآيات والأدلة المبثوثة في كتاب الله- أوضح الدليل على بطلان ما يُسمّى بـ"الدين الإبراهيمي الجديد"، الذي يُسوّي مخترعوه ومتبعوه بين المِلل الثلاث، وهو مِن أعظم المُحال والتناقض كما بينّا من قبل.

الثانية: دلّتْ الآيةُ على أن أهل الكتاب عندهم عِلْمٌ بأخبار أنبيائهم دون غيرها، وقد تضمَّنت كتبُهم -رغم ما وقع فيها من تحريف- حقيقةَ الدين الحق المقبول عند الله، الذي هو التوحيد، الذي هو دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أول وصية لموسى أوصاها بها ربه -عزَّ وجل- وهي أعظم وصية لعيسى -صلى الله عليه وسلم- بنص الإنجيل بعد نص التوراة، ففي التوراة في سفر الخروج [20: 2-5] في الوصية الأولى لموسى وبني إسرائيل: (أنا الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما، لا تسجد لهن ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور)، وفي سفر أشعياء [43 :5 - 44 : 6]: (قَبلي لم يُصوّر إله، وبعدي لا يكون، إني أنا الرب، وليس غيري مخلص أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري).

وفي الإنجيل نصوصٌ كثيرةٌ على إثباتِ التوحيدِ، ففي إنجيل مرقص [28 – 30]: (جاء واحد من الكتبة فسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أي وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك) هذه هي الوصية الأولى، وفي إنجيل يوحنا [17 : 3]: (هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته).

وهذا من كلام المسيح -صلى الله عليه وسلم-، ومَن تأمَّلَ هذه النصوص عَلِمَ حقيقة الديانة النصرانية في مهدِها وفي بدايتِها، أنها قامتْ على التوحيد المحض، ومَن رأى مَن الذي يدعو إلى هذه الوصية التي هي أول الوصايا، التي هي دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لم يجد إلا أهل الإسلام الذين يرفعون شعارهم في العالم كله: "لا إله إلا الله".

فالحمد لله على نعمة الإسلام.