م. سامح محمد بسيوني - فأعينوني بقوة (3) ... عوامل القوة الجماعية - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،
فقد تحدثنا في الجزء الأول والثاني من سلسلة مقالات "فأعينوني بقوة" عن المقوم الأول والثاني من تلك المقومات الأساسية اللازمة لتحقيق الإصلاح المنشود ودفع الظلم والفساد الموجود، وهي:
1- تعلق القلوب بالله والسعي في رضاه.
2- الجماعية ونبذ الفردية.
 
وها نحن بعون الله وفضله نشرع الآن في ذكر المقوم الثالث الذي نتلمسه من قول الله تعالى على لسان ذي القرنين في سورة الكهف في معرض ذكر رحلاته عبر مشارق الأرض ومغاربها حتى بلوغه السدين، وسعيه لمنع فساد قوم يأجوج ومأجوج عن الناس، قاصدًا صلاح أحوالهم: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف :95].
 
المقوم الثالث:
 الأخذ بعوامل القوة الجماعية: 
فقد قال تعالى: {فأعينوني بقوة...}.
فتأمل أخي الحبيب كلمة "بقوة" والتي أضيفت بعد طلب التعاون، والتي نلمح منها أن التعاون ليس مقصودًا لذاته، بل المقصود منه ما يترتب عليه من فضائل ونتائج تحتم على المتعاونين السعي في الأخذ بعوامل القوة اللازمة؛ لجعل هذا التعاون أو ذلك التجمع مؤثرًا فيما حوله، محققًا لأهدافه المنشودة بصورة صحيحة.
 
ومن هذه العوامل التي تقوي العمل الجماعي وتجعله مؤثرًا في مجتمعه، والتي يجب أن ننتبه إليها إن كنا صادقين في الإصلاح :
 
1- توحيد الفكر، ووضوح المنهج وبيان الرؤية الإصلاحية عند أفراد الكيان المتعاونين:
 وذلك لأن التفاوت في وضوح الفكرة والرؤية عند الأفراد المتعاونين ينشئ حالة من الصراع الداخلي بينهم، فيبعثر المجهودات، ويشتت الأذهان، ويستهلك الطاقات، ويؤدي إلى الفرقة التي تولد الضعف؛ فتزول النعمة وتضيع البركة؛ مما يؤدي في النهاية إلى فشل في النتائج المرجوة التي من أجلها اجتمعوا.
 
وفي الحقيقة فإن بيان هذه الرؤية وتوحيد فكر الأفراد حولها هو دور القيادة دائمًا في أي تجمع لاسيما إن اتسع الكيان وانتشر، ولعلنا نتأمل في ذلك ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أرسل الجيش في غزوة مؤتة  "فاستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن قتل زيد، فأميركم جعفر، فإن قتل جعر فأميركم عبد الله بن رواحة"،  فكان هذا توجيهًا وتوحيدًا فكريًا في الحقيقة لأفراد الجيش بأهمية وجود القائد، لذلك لمّا مات القادة الثلاثة -رضي الله عنهم أجمعين- ودُفعت الراية لخالد -رضي الله عنه- لم يختلف عليه أحد من أفراد الجيش؛ لتفهمهم ضرورة وجود القائد في تلك المواقف بعد ذلك التوجيه النبوي السابق لهم. 
 
2- الحرص على وجود كيان إداري منظم:
فأي عمل تعاوني مثمر لابد له من كيان إداري منظم واضح ، له رأس وهيكل، وله مسئوليات وواجبات وصلاحيات، وذلك حتى لا تتبعثر الجهود أو تهدر الأوقات بغير طائل أو تضيع المسئولية بين الأفراد، أو تختلف التوجيهات بينهم، فيحدث الضرر بالكيان، ولنا في ذلك أصل من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". [صحيح سنن أبي داود/السلسلة الصحيحة].
 
 - قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لروايات هذا الحديث المتعددة:
"وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه؛ فيهلكون ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو مسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى".  [نيل الأوطار 294/8 ط.دار الحديث].
 
-  وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث أيضا: "فأوجب -صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع". [مجموع الفتاوى28 /390].
 
3-  ضبط العلاقات بين الأفراد المتعاونين في ذات الكيان:
إن من أعظم عوامل بقاء الكيانات وقوتها تنمية روح المحبة بين الأفراد المتعاونين، وضبط العلاقات فيما بينهم؛ لضمان استمرارهم وحرصهم على التعاون والكيان والبذل فيه، وهذا يحتاج إلى أمور عدة منها: على سبيل المثال لا الحصر: 
 
1- نشر حقوق الإخوة الإيمانية الواجبة والتحفيز الدائم لتطبيقها عمليًا من الأفراد فيما بينهم.
فمع ضغط الأعمال وكثرة الاحتكاك بين الأفراد المتعاونين داخل الكيان تتناسى تلك الحقوق الأخوية الإيمانية، وتقل مراعاتها فيما بين الأفراد، مما قد يسبب مع طول المدة إلى وجود جفوة وغلظة نفسية تظهر أثارها بعد ذلك أثناء العمل، وتؤثر عليه، بل قد تكون في بعض الأحيان سببًا لترك بعض الأفراد للأعمال، بل وللكيان ككل.
 
ومن هذه الحقوق الواجب مراعاتها أمور واجبة، كتقديم إحسان الظن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث"، وأمور يغفل عنها الكثير منا كالتهادي، قال صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا"، والزيارة في الله والتناصح والبذل والعطاء لصاحب الحاجة فيما بيننا، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ"، فمثل هذه المحبة تهون الصعاب، وينشر الله القبول والمحبة بين الأفراد وبينهم وبين الناس مما يساهم في قوة الكيان وزيادة تأثيره. 
 
ب) حفظ الفضل لأهل السبق وتوقيرهم واحترام القيادة وحفظ حقها :
فلا يصح أن يتناسى الأتباع والشباب ما بذله الكبار والقادة في السابق، وما يبذلونه في الواقع من جهد وبذل فى سبيل الإصلاح والمحافظة على الكيان ومصلحة الاتباع، ولا ينبغي أن يتعرض القادة للانتقاص من الاتباع لمجرد وقوع بعض الأخطاء منهم بحكم بشريتهم، فهم بشر معرضون للخطأ، بل يجب السعي في إصلاح الأخطاء من غير تنقص أو تحويل الأمر إلى قضية شخصية.
 
ولنا في ذلك القدوة الحسنة في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما وجهنا وعلمنا مثل ذلك طبقًا لما ورد في السيرة من قصة حاطب ابن أبي بلتعة في فتح مكة، حين أمر بسرعة تدارك الأمر وأرسل "علي" -رضي الله عنه- ليأتي بالكتاب الذي مع الظعينة، وفي ذات الوقت يقول -صلى الله عليه وسلم- لعمر رضي الله عنه: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال: "اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم" [رواه البخاري]، فذاب خطأ حاطب -رضي الله عنه- في بحر حسناته، مع عدم السكوت في ذات الوقت عن الخطأ أو أثره.
 
وكذلك توجيهه -صلى الله عليه وسلم- في قصة خالد بن الوليد مع عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنهما- والتي حدثت في غزوة مؤته كما جاء ذلك في [التاريخ الإسلامي للحميدي 7/130].
 
قال عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنه-: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مدديّ من اليمن-يعني رجل جاء كمدد- ومضينا فلقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وله سلاح مذهب، فجعل الرومي يضرب بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه بسيفه، وفر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السلب، قال عوف: "فأتيت خالدًا، وقلت له: "أما علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالسلب للقاتل؟
 
 قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردنها إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبى أن يرد عليه. 
 
قال عوف: "فاجتمعنا عند رسول الله فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خالد ما حملك على ما صنعت؟". قال: استكثرته فقال: "رد عليه الذي أخذت منه". قال عوف: فقلت: دونكها يا خالد، ألم أوف لك؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وما ذلك؟" فأخبرته قال: "فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" وقال: 
"يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
 
فهذا موقف عظيم من النبي -صلى الله عليه وسلم- في حماية القادة والأمراء من أن يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم، فهم بشر معرضون للخطأ، فينبغي السعي في إصلاح خطئهم من غير تنقص ولا إهانة، فخالد حين يمنع ذلك المجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه، وإنما اجتهد فغلَّب جانب المصلحة العامة، حيث استكثر ذلك السلب على فرد واحد، ورأى أنه إذا دخل في الغنيمة العامة نفع عددًا أكبر من المجاهدين، وعوف بن مالك أدى مهمته في الإنكار على خالد، ثم رفع الأمر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما لم يقبل خالد قوله، وكان المفترض أن تكون مهمته قد انتهت بذلك؛ لأنه والحال هذه قد دخل في أمر من أوامر الإصلاح، وقد تم الإصلاح على يديه.
 
 ولكنه تجاوز هذه المهمة حيث حول القضية من قضية إصلاحية إلى قضية شخصية، فأظهر شيئًا من التشفي من خالد، ولم يقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، بل أنكر عليه إنكارًا شديدًا، وبيَّن حق الولاة على جنودهم، وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر خالدًا بعدم رد السلب على صاحبه لا يعني أن حق ذلك المجاهد قد ضاع؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنسانًا بجريرة غيره، فلا بد أن ذلك المجاهد قد حصل منه الرضا، إما بتعويض عن ذلك السلب أو بتنازل منه أو غير ذلك فيما لم يذكر تفصيله في الخبر  "[السيرة النبوية للصلابي].
 
ج) الدمج بين خبرة الكبار وحماسة الشباب في التكليفات والأعمال الواحدة مما يساهم في تعميق الترابط بين الأجيال مع ما في ذلك من نقل الخبرات وسرعة وجودة في الأداء.
 
د) وضع اللوائح المنظمة للعمل التعاوني بما يتيح تحديد المسئوليات والصلاحيات ومعرفة الحقوق والواجبات للأفراد، مع بيان أليات اتخاذ القرارات في الكيان بوضوح بين العاملين في الإطار التنظيمي له، منعًا للتنازع أو فتح المجال لنزغ الشياطين من الأنس والجن، والذين لا يرضيهم وصول الكيان الإصلاحي لحالة من النظام والتناغم والمحبة والقوة التي تهيئ إلى دفع الفساد ونشر الخير والصلاح في المجتمع. 
 
وعلى ما سبق فهذه أربعة أسباب على سبيل المثال لا الحصر لتحصيل العامل الثالث من عوامل القوة المطلوبة ...
 
وللحديث بقية –إن شاء الله وقدر– في استكمال العوامل المطلوبة للمقوم الثالث [الأخذ بعوامل القوة الجماعية] واللازمة لتحقيق الإصلاح المنشود ودفع الظلم والفساد الموجود.
دمنا وإياكم دائمًا على الخير متعاونين وللصلاح والإصلاح ساعيين.