إيهاب الشريف - دروس مستفادة مِن رحلة الحج - بوابة الفتح الالكترونية
إيهاب الشريف
2017-09-19 19:08:04

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن رحلة الحج مِن أجمل وأمتع ما يقوم به الإنسان مِن الأسفار، بل إنها لتختلف عن كل الأسفار؛ إذ الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، كما في الحديث: (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) (متفق عليه).

فيرجع العبد لموطنه كما ولدته أمه، قد غُفرتْ ذنوبه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: : (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه)، والحج يهدم ما قبله كما صح ذلك أيضًا، والحج عتق مِن النار، فـ(مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) (رواه مسلم)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ، وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ، فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

والمتابعة بيْن الحج والعمرة تنفي الفقر والذنوب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ, كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه أبو يعلى، وقال الألباني: صحيح لغيره).

ورغم كل ذلك فإن هذه الرحلة تمر على الكثيرين دون فائدةٍ تذكر أو لا يحصل منها إلا القليل مِن الفوائد، ولربما تلاشتْ مع مرور الأيام؛ لأجل هذا كله كان لا بد مِن الوقوف مع هذه الرحلة، متأملين فيها، وما تشتمل عليه مِن الدروس والعِبَر، حتى إذا وقف العبد عليها استحالت المشقة لذة، واستمتع العبد برحلته، وما حصل مِن العتق والمغفرة والجنة، واستصحب آثارها طيلة حياته.

وها هي بعض الدروس المستفادة مِن هذه الرحلة:

علمني الحج: أنه على قدر فهم العبد للمعاني التربوية التي وراء المناسك يكون أثر هذه الرحلة في قلبه وعلى نفسه، فالحج عبادة لها ظاهر وهو المناسك المعروفة، ولهذه المناسك حكم ومعانٍ إيمانية يغفلها أكثر الناس، فلا بد مِن الاهتمام بالأمرين معًا ليكون الحج ميلادًا جديدًا -بإذن الله-، فيتعلم المناسك، وما وراءها مِن الحكم واللطائف؛ الإحرام ومعانيه، الطواف والسعي ودروسهما، الحلق ودلائله، وهكذا... فهذه الأحكام والفضائل الواردة لها، تجعل للحج طعمًا آخر، ومَن ذاق عرف.

علمني الحج: أن مَن يعظم أمر الله يعظمه الخلق، ومَن يتولى الله لا يكله إلى غيره، بل يرعاه ويحفظه؛ فهذه أمنا "هاجر" -عليها السلام- يتركها الخليل إبراهيم -عليه السلام- في وادٍ غير ذي زرع ليس معها سوى القليل مِن التمر، والقليل مِن الماء، ثم ينفد ويفنى ما معها؛ فيكون منها السعي للبحث عن زادٍ لها ولطفلها الرضيع، فيرسل الله الملَك يضرب الأرض بجناحه تحت قدمي إسماعيل -عليه السلام-؛ فتنفجر "زمزم" المباركة -والتي لا زالت تفور بالماء إلى الآن!-، فظهر لنا أثر تلك الكلمات التي رددتها "هاجر" -عليها السلام- حينما سألت إبراهيم -عليه السلام-: آلله أمرك بهذا؟ فأجاب بنعم، فقالت: "إذن لا يضيعنا!"؛ لأن الله لا يضيع أهله، ولم يضيعهما -سبحانه وتعالى-.

علمني الحج: ألا أيأس لا مِن نفسي مهما كثرت ذنوبي وعيوبي، ولا مِن الواقع وإصلاحه مهما كان مؤلمًا ضاغطًا، بل ليس عليَّ سوى السعي والأخذ بالأسباب، وليس عليَّ النتائج، فهذه هاجر -عليها السلام- تسعى وتبحث عن غياث، وبعد سبعة أشواط ينفجر زمزم، ويعود الوادي آهلاً بالبشر؛ حتى غدت مكة الآن أكثر المدن زحامًا في العالم! بل ويُجبى إلى الحرم ثمرات كل شيء رزقًا مِن الله -تعالى-!

ونفس المعنى -أعني عدم اليأس-: نجده يتكرر في سؤال زكريا -عليه السلام- الولد مِن الله -تعالى-؛ كيف كانت المقدمات التي ذكرها: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) (مريم:4)، هذا حاله، أما زوجته: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) (مريم:8)، فهل يكون منهما ولد؟! ومع ذلك يسأل ربه قائلًا: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (مريم:5)!

إن المقدمات لا توحي بشيءٍ أبدًا مِن النتيجة، ومع ذلك لم ييأس؛ لأنه يطلب مِن الله، وكان له ما سأله!

فلنبذل ما في وسعنا متوكلين على الله -تعالى- آخذين بما تيسر مِن أسبابٍ، والأمر لله مِن قبْل ومِن بعد.

كذلك لا ييأس العبد مِن نفسه وإن كثرت ذنوبه؛ فإن الله -تعالى- يقول عن أهل الموقف (عرفة) مباهيًا بهم ملائكته: (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي, جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي, فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ عَدَدَ الرَّمْلِ, أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا, أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ، وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره).

هذا وليست المكفرات قاصرة على الحج، بل هناك الكثير مِن الأعمال الصالحة المتاح للعبد القيام بها، وتحصيل ثمرتها.

علمني الحج: أن الله يخلق ما يشاء ويختار (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (القصص:68)، فكما خلق الأيام والشهور وفاضل بينها، فإنه كذلك فاضل بيْن البلاد، فجعل مكة أفضل البقاع وأجلها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها: (وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وسبحان الله! رغم أنها لا توجد فيها أي مقومات للحياة، ولا عوامل جذب، بل جبال وصحارى قاحلة، وجو شديد الحرارة، لكنها أعظم البقاع الآهلة بالحياة في العالم! أعني حياة القلوب.

فقد جعل الله البيت هداية: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96).

وجعل قيام دين الناس ببقائه: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) (المائدة:97).

ولا يقضون منه وطرًا رغم كثرة ترددهم إليه: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (إبراهيم:37)؛ لذا وجب على العباد قصد هذا البيت بالتوجه إليه في الصلاة، وبالحج والعمرة لمن استطاع، فالحج الركن الوحيد الذي لا يُؤدى إلا في مكانٍ محددٍ بخلاف أركان الإسلام الأخرى.

ولعل ذلك لهذه الحكمة المتقدمة، ثم ما يكون مِن المنافع التي يشهدها الناس، ومِن أجلها التقاء هذه الأعداد الغفيرة مِن المسلمين في هذه البلدة، وحصول التعارف والتآلف، وتذكير العباد بأصول هذا الدين التي لا قيام له إلا بها: كتوحيد الله -تعالى- ونبذ الشرك، والقيام بحقوق العبودية، والاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا كله ظاهر في المناسك.

علمني الحج: قيمة الدعاء وأهميته وأثره في حياة المسلم، فالمناسك كلها تقريبًا أدعية، فيوم "عرفة" الذي هو ركن الحج الأعظم كله دعاء، بل كان قصر الظهر والعصر وجمعهما؛ تفرغًا للدعاء!

ومِن شدة اعتناء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدعاء في ذلك اليوم، تمارى الصحابة في حاله: هل هو صائم أم لا؟ حتى أرسلت له أم الفضل بنت الحارث شيئًا مِن اللبن، فشربه -صلى الله عليه وسلم-، وفي الطواف دعاء، وعند الصفا والمروة وأثناء السعي دعاء، وبعد رمي الجمرات (الصغرى والوسطى) دعاء كقدر سورة البقرة، فماذا بقي؟!

علمني الحج: خطر وأهمية عقيدة الولاء والبراء، وضرورة التركيز عليها؛ إذ حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- في المناسك على مخالفة المشركين، ففي التلبية كانوا يقولون: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" ثم يزيدون: "إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك!"، فكانوا إذا انتهوا إلى هذه الزيادة، قال لهم: (وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ) (رواه مسلم). أي اتركوا هذه الزيادة.

وكانوا لا يقفون بعرفة، يزعمون أن البقاء بمزدلفة كافٍ؛ لأنها مِن الحرم، وعرفة مِن الحل، فوقف -صلى الله عليه وسلم- بعرفة.

وكانوا لا ينفرون مِن مزدلفة إلا بعد شروق الشمس فخالفهم -صلى الله عليه وسلم- ودفع منها قبْل طلوع الشمس بعد ما أسفر الصبح جدًّا.

وكانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: لا نطوف في ثيابٍ عصينا الله فيها! فخالفهم ونهى عن التعري، وقال: (وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) (متفق عليه)، وغير ذلك مِن صور المخالفة، والتي تدل دلالة واضحة على أهمية تثبيت هذا الأصل لدى المسلم، والذي صار باهتًا عند كثيرٍ مِن المسلمين حتى سوى البعض بيْن المسلم والكافر! وتلبس البعض الآخر بالكثير مِن المظاهر الشركية، وخالطوا المشركين في أعيادهم الكفرية، وتشبهوا بهم! فعلى الدعاة التركيز على هذا الأصل؛ سيما مع اشتداد الهجمة عليه هذه الأيام.

علمني الحج: أن الصبر لا غنى للعبد عنه في هذه الحياة، فمناسك الحج فيها الكثير مِن المشقة، وهي تعلِّم العبد الصبر وقوة التحمل، فمهما كان في المناسك مِن المشقة، فهي مع الاحتساب في ميزان الحسنات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

وصدق مَن قال: مَن أراد الراحة ترك الراحة، فليس للعبد مستراح إلا في الجنة. قيل للإمام أحمد: "متى يذوق العبد طعم الراحة؟" فأجاب: "عند أول قدمٍ يضعها في الجنة!"، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200).

ودروس الحج وعبره كثيرة، لعلنا نكملها في مقال قادم -إن شاء الله-.