محمد سرحان - الرجل الأمة! - بوابة الفتح الالكترونية
محمد سرحان
2017-09-24 17:53:27

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فللمفسرين في المراد بالأُمَّةِ في قول الله -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً(النحل:120)، أقوال:

منها: الذي يعلِّم الخير، أي: كان معلمًا للخير، يأتم به أهل الخير في الدنيا، وقد اجتمع فيه مِن الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة.

وقيل: إنه المؤمن وحده في زمانه.

وقيل: إنه الإِمام الذي يُقتدَى به.

وقيل: كان وحده أمة مِن الأمم؛ لاستجماعه كمالات لا توجد في غيره.

فكان إبراهيم -عليه السلام- رجلًا بأمة، وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- أمة، وزن بالأمة فرجح، أقام الدين وبنى أمة، وأسس دولة.

 فهناك رجل بأمة، ورجل بألف، ورجل بخف!

وما أكثر الرجل الأمة، والرجل الذي يساوي الآلاف في أمة الإسلام على مدار تاريخها، وفي كل مراحلها.

كان أبو بكر -رضي الله عنه- الرجل الأمة: لما اضطربت الأمة بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمنع الزكاة طائفة، وارتدت طائفة، واختل ميزان الأمة؛ فوقف أبو بكر -رضي الله عنه- وقفته، وقال قولته "التي تُكتب بماء العين لا بماء الذهب!": "أينقص الدين وأنا حي؟!"؛ فأعاد الله به لُحمة الأمة، واجتمعتْ بعد فرقتها، والتأمت بعد انشقاقها.

وكان عمر -رضي الله عنه- الرجل الأمة؛ مصَّر الأمصار، وفتح البلدان، ونهضت الأمة به وازدهرت.

ومعاوية -رضي الله عنه- الرجل الأمة، جمع الله به شمل الأمة بعد تمزقها، وكان مثالًا للسياسي العبقري المحنك، ورجل الدولة مِن الطراز الأول.

ولما طلب عمرو بن العاص مِن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- مددًا في فتح مصر، أرسل له أربعة آلاف، ومعهم رسالة: "أنه أرسل أربعة آلاف، مع كل ألف رجل بألف، وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد!".

وصلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- الرجل الأمة: قضى على دولة العبيديين، وحرر الأقصى، وقهر الصليبيين، وكان صاحب الكلمة في الأمة، ومع ذلك ظل تحت سلطان خليفة المسلمين، ولم يخلعه ولم يدعُ إلى نفسه.

وسيف الدين قطز -رحمه الله- الرجل الأمة: قضى على التتار، وأنقذ الله به الأمة مِن فسادهم.

وليس هؤلاء في مجال القيادة والسياسة فقط، بل في مجالاتٍ عدة، فكان أحمد بن حنبل -رحمه الله- الرجل الأمة؛ أقام الله به السُّنة، وقمع البدعة، وتحمل -رحمه الله- الأذى والضرب، والسجن والتعذيب، والإقامة الجبرية، وغير ذلك في سبيل الله نصرة دين الله -تعالى-.

قال علي بن المديني -رحمه الله-: "أيَّد الله هذا الدين بأبي بكر في الردة، وبأحمد يوم الفتنة أو يوم المحنة!".

وكان ابن تيمية -رحمه الله- الرجل الأمة: أعاد الله على يديه نشر منهج أهل السُّنة والجماعة، وجاهد بسيفه وقلمه ولسانه، وجاهد الكفرة والظلمة والفساق.

وكذا كان محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مجددًا؛ جدد الله به الدين في زمنه، وقمع به الضلالة وأهلها، والبدع وأصحابها.

وكان مِن النساء صانعة أو معلمة أو مربية الرجل الأمة أو خلفه، فكانت عائشة -رضي الله عنها- معلمة مسروق بن الأجدع، وعروة بن الزبير، وغيرهما، وكانت صفية بنت عبد المطلب مربية الزبير بن العوام، وكانت أسماء بنت أبي بكر خلف عبد الله بن الزبير، وكانت هند بنت عتبة مربية معاوية بن أبي سفيان، وكانت الأمهات خلف الزهري، وربيعة الرأي، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم مِن أفاضل العلماء -رحمهم الله-، وغيرهم وغيرهن في بلاد العرب والعجم، ومِن القادة والعلماء.

وأمة الإسلام أمة ولَّادة، كالغيث لا يُدرى أوله خير أم آخره!

وما أحوج الأمة في فترة ضعفها إلى مَن يوقظها مِن نومها، ويبعث فيها الهمة والعزيمة على مفارقة ضعفها ووداع كسلها، وأن يبعث فيها الأمل لتعود إلى سابق عزها ومجدها، وما أحوجها إلى الرجل الأمة، والرجل الألف.

فكن أنتَ الرجل الأمة، أو ربِّ الرجل الأمة: ابنكَ أو ابنكِ، أو غيره ممن هو تحت ولايتك، أو غير ولايتك، أو ادع الرجل الأمة، فربما مَن تدعوه هو مَن ينهض بالأمة.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على رسولك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه وسلم.