عاجل

لطف الله تعالى

  • 145

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى:19).

وفي هذه الأسطر نتمعن في بعض لطف الله -تعالى- بخلقه وعباده:

- ‏فمِن لطفه بعباده: أنه يُقدّر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح لهم، وأنَّهُ لا يَتْرُكُ أحَدًا مِنهم بِلا رِزْقٍ وأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ جَرْيًا عَلى مَشِيئَتِهِ. وعَطْفُ (وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) عَلى صِفَةِ لَطِيفٍ أوْ عَلى جُمْلَةِ: (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ) تَمْجِيدٌ لِلَّهِ -تَعالى- بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ويُفِيدُ الِاحْتِراسَ مِن تَوَهُّمِ أنَّ لُطْفَهُ عَنْ عَجْزٍ أوْ مُصانَعَةٍ، فَإنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا يَعْجِزُ ولا يُصانِعُ، أوْ عَنْ تَوَهُّمِ أنَّ رِزْقَهُ لِمَن يَشاءُ عَنْ شُحٍّ أوْ قِلَّةٍ فَإنَّهُ القَوِيُّ، والقَوِيُّ تَنْتَفِي عَنْهُ أسْبابُ الشُّحِّ، والعَزِيزُ يَنْتَفِي عَنْهُ سَبَبُ الفَقْرِ فَرِزْقُهُ لِمَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مَنُوطٌ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها في أحْوالِ خَلْقِهِ عامَّةً وخاصَّةً، قالَ -تَعالى-: (ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ) (الشورى:٢٧).

وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية ورياسة أو سبب من الأسباب المحبوبة فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمة به؛ لئلا تضره في دينه، فيظل العبد حزينًا من جهله وعدم معرفته بربه، ولو علم ما ادخر له في الغيب وأريد إصلاحه؛ لحمد الله وشكره على ذلك، فإن الله بعباده رءوف رحيم، لطيف بأوليائه.

- فهو اللطيف الذي يَنشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب، وهو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل.

- وهو الذي يجبر الكسير وييسر العسير.

- وهو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله.

- وهو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة، قال -تعالى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها) (النحل:18)، وقال: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً) (لقمان:٢٠).

- وهو الذي لا يُعاجِل مَن عصاه، ولا يخيب مَن رجاه.

- وهو الذي لا يرد سائله، ولا يوئس آمله.

- وهو الذي يعفو عمن يهفو، وهو الذي يرحم مَن لا يرحم نفسه.

- وهو الذي أوقد في أسرار العارفين مِن المشاهدة سراجًا، وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجًا، وأجزل لهم مِن سحائب بره ماءً ثجاجًا.