تجديد الإيمان بآيات الرحمن من سورة الحجرات (5)

  • 131

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

(‌يَا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌لَا ‌يَسْخَرْ ‌قَوْمٌ ‌مِنْ ‌قَوْمٍ ‌عَسَى ‌أَنْ ‌يَكُونُوا ‌خَيْرًا ‌مِنْهُمْ) (الحجرات:11)، أي: يا معشر المؤمنين، يا مَن اتصفتم بالإيمان، وصدَّقتم بكتاب الله وبرسوله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحدٌ من أحدٍ، فقد يكون المسخور منه خيرًا عند الله من الساخر. وفي الحديث: (رُبَّ ‌أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ ‌لَوْ ‌أَقْسَمَ ‌عَلَى ‌اللهِ ‌لَأَبَرَّهُ) (رواه مسلم).

(وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ) أي: ولا يسخر نساء من نساء، فعسى أن تكون المحتقر منها خيرًا عند الله وأفضل من الساخرة، وقد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (الْكِبْرُ بطرُ الحق، وغَمْطُ النَّاسِ) (رواه مسلم). وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ: احْتِقَارُهُمْ وَاسْتِصْغَارُهُمْ، وَهَذَا حَرَامٌ.

(وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب) أي: ولا يعب بعضكم بعضًا، ولا يدعُ بعضكم بعضًا بلقب السوء، وَالْهَمَّازُ اللمَّاز مَذْمُومٌ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة:1)، والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال -عزَّ وجلَّ: (‌هَمَّازٍ ‌مَشَّاءٍ ‌بِنَمِيمٍ) (القلم:11).

وروى الإمام أحمد قَالَ الشعبي: حَدَّثَنِي أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ: (وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالْأَلْقَابِ) قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحداً مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا، فَنَزَلَتْ: (وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالْأَلْقَابِ). وإنما قال (أَنفُسَكُمْ)؛ لأن المسلمين كأنهم نفسٌ واحدة.

(‌بِئْسَ ‌الِاسْمُ ‌الْفُسُوقُ ‌بَعْدَ ‌الْإِيمَانِ) أي: بئس أن يُسمَّى الإِنسان فاسقًا بعد أن صار مؤمنًا.

قال البيضاوي: "وفي الآية دلالة على أن التنابز فسقٌ، والجمع بينه وبين الإِيمان مستقبح".

(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: ومَن لم يتبْ عن اللَّمز والتنابز؛ فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) أي: ابتعدوا عن التهمة والتخوين، وإساءة الظنِّ بالأهل والناس، وعبَّر بالكثير ليحتاط الإنسان في كل ظنٍّ، ولا يسارع فيه، بل يتأملُ ويتحقَّق؛ فكم مِن علاقاتٍ قطعت بسبب سوء الظن! وكم مِن بيوت خربت بسبب سوء الظن! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) أي: إنَّ في بعض الظنِّ إِثم وذنب، يستحق صاحبه العقوبة عليه، قال عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-: "لا تظُنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيكَ المؤمنِ إلا خيرًا، وأنت تجدُ لها في الخير محملًا".

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: رأيت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: (‌مَا ‌أَطْيَبَكِ ‌وَأَطْيَبَ ‌رِيحَكِ، ‌مَا ‌أَعْظَمَكِ ‌وَأَعْظَمَ ‌حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا ‌تَقَاطَعُوا ‌وَلَا ‌تَدَابَرُوا ‌وَلَا ‌تَبَاغَضُوا ‌وَلَا ‌تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) (رواه مسلم، الترمذي واللفظ له).

وصلى الله على نبينا محمدٍ، والحمد لله رب العالمين.