الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (27)

  • 87

 قصة بناء الكعبة (25)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقوله -تعالى- عن إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129).

تضمنت هذه الآية الكريمة الحكمة من البعثة النبوية المباركة؛ وهي تلاوة آيات الله المنزلة، وهي قراءتها المقصود منها اتباعها، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، والتزكية.

وهذا يدل دلالة ظاهرة على لزوم اتباع السنة؛ لأن الله -تعالى- جعل تلاوة الآيات غير تعليم الكتاب؛ فتلاوة الآيات قراءتها، أما تعليمها الذي يقوم بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو تبيين ما فيها من الأخبار والأحكام في العقيدة والعمل والسلوك؛ التي لا سبيل إلى معرفتها والعمل بها إلا من خلال بيان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم الحكمة: السنة.  

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) يعني: القرآن. (وَالْحِكْمَةَ) يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل: الفَهْم في الدين. ولا مُنافاة. (وَيُزَكِّيهِمْ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني طاعة الله، والإخلاص.

وقال محمد بن إسحاق: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) يعلمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه واستكثروا من طاعته، وتجنبوا ما سخط من معصيته.

وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: العزيز الذي لا يُعْجِزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها بعلمه وحكمته وعدله" (انتهى من تفسير ابن كثير).

وقال ابن جرير -رحمه الله- عن ابن وَهْب، قَالَ: "قُلْت لِمَالِكِ: مَا الْحِكْمَة؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ، وَالْفِقْه فِي الدِّين، وَالِاتِّبَاع لَهُ. وعن ابْن زَيْد قَالَ: الكتاب القرآن، والحِكْمَة: الدِّين؛ الَّذِي لَا يَعْرِفُونَهُ إلَّا بِهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمهُمْ إيَّاهَا. قَالَ: وَالْحِكْمَة: الْعَقْل فِي الدِّين، وَقَرَأَ: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة:269). وَقَالَ لِعِيسَى: (وَيُعَلِّمهُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل) (آل عمران:48). وَقَرَأَ ابْن زَيْد: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) (الأعراف:175)، قَالَ: لَمْ يَنْتَفِع بِالْآيَاتِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَعَهَا حِكْمَة. قَالَ: والحِكْمَة شَيْء يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب يُنَوِّر لَهُ بِهِ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي الْحِكْمَة: أَنَّهَا العِلْم بِأَحْكَامِ اللَّه؛ الَّتِي لَا يُدْرَك عِلْمُها إلَّا بِبَيَانِ الرَّسُول -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْمَعْرِفَة بِهَا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِره.

 وَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذ مِنْ "الْحُكْم" الَّذِي بِمَعْنَى الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل بِمَنْزِلَةِ "الجِلْسَة وَالْقَعْدَة" من "الْجُلُوس وَالْقُعُود"، يُقَال مِنْهُ: إنَّ فُلَانًا لَحَكِيم بَيِّنٌ الْحِكْمَة؛ يَعْنِي أَنَّهُ لَبَيِّن الْإِصَابَة فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيل الْآيَة: رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك، وَيُعَلِّمهُمْ كِتَابك الَّذِي تُنَزِّلهُ عَلَيْهِمْ وَفَصْلَ قَضَائِك، وَأَحْكَامَك الَّتِي تُعَلِّمهُ إيَّاهَا" (انتهى من ابن جرير).

ولا تعارض بين التفسيرين؛ فلا فَهْم ولا عقل في الدين دون معرفة السنة، ولا فصل بين الحق والباطل إلا بمعرفة السنة، كما أنه لا فَهْم ولا عمل بالقرآن إلا بتعليم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إيَّانا فَهْمَ الكتاب وكيفية العمل به؛ كبيان كيفية الصلوات والزكاة، والصيام، والحج، والحلال والحرام.

وكأن الحكمة -التي هي السنة- هي القسم الثالث من السنة، التي استقلت السنة فيه بتبيين الأحكام؛ فإن السنة مع القرآن على ثلاثة أقسام:

الأول: ما جاءت به السنة بتأكيد ما جاء في القرآن؛ كالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالحج والصيام إجمالًا.

الثاني: ما جاءت السنة فيه ببيان ما أُجْمل في القرآن، وتخصيص عامِّه وتقييد مُطلقه؛ كهيئة الصلاة وترتيب أركانها وقيامها، وركوعها وسجودها وعدد ركعاتها ومواقيتها، وغير ذلك، وما جاء في السنة من بيان نِصاب الزكاة والقَدْر الذي يُخرج من كل صنف من أصناف المال، وما يُؤخذ منه الزكاة وما لا يُؤخذ، وكذا صفة حجته -صلى الله عليه وسلم- بيان للمجمل الواجب في القرآن، قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران:97)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسَكَكُمْ) (رواه مسلم)، فكانت سنته بيانًا لذلك المجمل الواجب، وكذا جاءت السنة ببيان كيفية قطع يد السارق، فهي تقطع من الرسغ من اليد اليمني، وكذا جاءت السنة بتقييد مطلق السارق وتخصيص عمومه؛ لأنه الذي سرق مِن حرز ما يبلغ نصاب السرقة وهو ربع دينار فصاعدًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا) (رواه مسلم)، ونحو ذلك.

القسم الثالث: وهو ما استقلت السنة ببيانه؛ كتحريم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ معه، ألا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعانٌ على أرِيكَتِه يَقولُ: علَيكُم بِهذا القُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه من حلالٍ فأَحِلُّوهُ، وما وجدْتُم فيه من حَرامٍ فَحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لَكُم لَحمُ الحِمارِ الأَهْلِيِّ، ولا كُلِّ ذِي نابٍ من السَّبُعِ، ولا لُقَطَةُ مُعاهَدٍ، إِلّا أنْ يَستغْنِيَ عنها صاحِبُها... ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وكذا تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحتهم للنساء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أمسك بيديه ذهبًا وحريرًا، فقال: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، ونحو ذلك.

وإن كان ذلك داخلًا في القرآن بالاعتبار الأوسع؛ لدخوله في قوله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر:7)، والأمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتكرر كثيرًا جدًّا في القرآن، وهكذا فَهِم الصحابة -رضي الله عنهم-.

روى مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والْمُسْتَوْشِماتِ، والنّامِصاتِ والْمُتَنَمِّصاتِ، والْمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ". قالَ: فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أَسَدٍ يُقالُ لَها: أُمُّ يَعْقُوبَ وَكانَتْ تَقْرَأُ القُرْآنَ، فأتَتْهُ فَقالَتْ: ما حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ الواشِماتِ والْمُسْتَوْشِماتِ، والْمُتَنَمِّصاتِ والْمُتَفَلِّجاتِ، لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: ما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-؟ وَهو في كِتابِ اللهِ فَقالتِ المَرْأَةُ: لقَدْ قَرَأْتُ ما بيْنَ لَوْحَيِ المُصْحَفِ فَما وَجَدْتُهُ فَقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقَدْ وَجَدْتِيهِ، قالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)".

فالفرق بين هذا القِسْم والذي قبله: أن الذي قبله موجود إجمالًا في الكتاب، لكن يحتاج لبيانٍ من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أما القسم الثالث فلا وجود له في القرآن إلا من خلال الأمر بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

أما التزكية فقد سبق ما نقله ابن كثير -رحمه الله-.

وهذه الآية الكريمة تبيِّن أن الله ما أراد مِن عباده في الدِّين إلا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وليس مما أراده الله من عباده أن يرجعوا في عقائدهم إلى علوم الفلسفة والمنطق اليوناني وعلم الكلام، وكذا في الأصول، ولم يجعل -سبحانه- مرجعنا في معرفة الأحكام العملية إلى آراء الرجال ومذاهبهم دون الأدلة من الكتاب والسنة، وما دلت عليه من الإجماع والقياس، وغيرها، وليست أقوال العلماء إلا شرحًا وبيانًا للكتاب والسنة؛ أما أن تُجعل مصدرًا للتشريع يُلْزم الناس بأخذها كأنها النصوص؛ فهذا مُحْدث بعد القرون الثلاثة الخيرية؛ بل بعد الأئمة الأربعة المُّتبَعين وغيرهم، فإنهم ما أمروا أصحابهم ولا علموهم إلا أن يستدلوا بالأدلة من الكتاب والسنة، ويتبعوا هذا الدليل دون الأقوال المجردة، ولو نظر ناظر في كتب المتقدمين من أصحاب الأئمة الفضلاء لوجد تعظيم السنة أمرًا ظاهرًا لديهم جميعًا.

أما ما هو أسوأ مِن التقليد المجرد للمذاهب؛ فهو الانتقاء منها بالتشهي والترخص؛ للبحث في رُخَصها دون دليل، والاختلاف ليس بحجة بالإجماع، والتقليد ليس بحجة كما نقل ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتابه الرائع: "جامع بيان العلم وفضله"، ونقل الإجماع على عدم جواز الانتقاء من المذاهب بالتشهي.

وكذلك لم يجعل -سبحانه- في التزكية لازمًا علينا إلا هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتزكيته لنا، وليست مقامات الصوفية المخترعة المحدثة، وأحوالهم مِن نحو: السُّكْر والدَّهَش، والهيمان والفناء، والجمع والفرق؛ مما لا يفهمه أكثر الناس، مما لم يَرَد قط في كتاب الله وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم-.

والأشد من ذلك: أنهم جعلوا ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الخوف والرجاء، والشكر، والصبر والرضا، والتوكل، وغيرها من أعمال القلوب من مقامات العوام؛ دون الخواص، وخواص الخواص؛ الذين جعلوا لهم المقامات التي اخترعوها من الفناء، وما يشير إليه أو يؤدي إليه.

فعلم الكلام والتقليد الأعمى والتصوف المُحْدث؛ خاصةً الفلسفي منه القائم على وحدة الوجود، ووحدة الأديان، والخرافي القائم على الغلو في الأولياء -بل وغير الأولياء!-: كتارك الصلاة، والزكاة، وبائعي المخدرات على أبواب المساجد، وغيرهم؛ بل من الكفار الزنادقة؛ كمَن يخطب عاريًا كما ولدته أمه، ويقول للناس: أشهد أن لا إله لكم إلا إبليس صلى الله عليه وسلم! فقال الناس: كَفَر كَفَر، فسلَّ السيفَ (مع أنه كان عاريًا) ثم نزل، فهرب الناس من المسجد!

وقال الشعراني: وفعل ذلك رضي الله عنه في ثلاثين جمعة في نفس اليوم؛ أي: في ثلاثين بلدة! ونعوذ بالله من الضلال، وكالحلاج المقتول على الزندقة بإجماع علماء عصره الذي يقول:

كَفَرتُ بِدينِ اللَهِ وَالكُفرُ واجِبٌ عَـلَيَّ     وَهــو عـِـنـدَ المُـســلـِمـيـنَ قَــبـيـحُ

وكابن ابن عربي الذي يقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحـبي                    إذا لم يكن ديـني إلى ديـنه دانـي

لقد صارَ قلـبي قابلًا كلَّ صُــورةٍ                    فـمرعىً لغُـــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ                    وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قـرآنِ

أديـنُ بدينِ الحب أنَّى توجَّــهــتْ                    ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

وهذه الزندقة الظاهرة في مساواة الملل؛ حتى عبادة الأوثان، ما دام -بزعمهم- كان الحبُّ موجودًا.

وكلا نوعي التصوف الفلسفي والخرافي يخدمان على بعضهما، والمتكلمون والمقلدون -المعرضون عن الأدلة من الكتاب والسنة- وهؤلاء الصوفية كل هؤلاء مِن أخطر ما يصرف الناس عن الحكمة من البعثة النبوية، رزقنا الله حبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباعه، وحشرنا معه يوم القيامة. 

rl(null,true)])