• الرئيسية
  • المقالات
  • وقفات مع آيات (8) (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (موعظة الأسبوع)

وقفات مع آيات (8) (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (موعظة الأسبوع)

  • 51

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -تعالى-: (‌لَيْسَ ‌لَكَ ‌مِنَ ‌الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 128-129).

سبب نزول الآية:

- قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: (‌كَيْفَ ‌يُفْلِحُ ‌قَوْمٌ ‌فَعَلُوا ‌هَذَا ‌بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ)، فأنزل الله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (راواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- وقال البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).

التفسير العام للآية:

- ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله -تعالى- وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم، ومَن بقيَ على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه، ولله وحده ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية).

وقفات حول الآية:

(1) الأمر كله لله وحده:

- العقيدة الإسلامية ترسِّخ أن الأمر كله لله وحده، وأن الرُّسُل مع عظيم قدرهم ومكانتهم لا يملكون قلوب العباد، وإنما عليهم أداء الرسالة بالهداية والإرشاد، وأما النتائج فليست لهم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، وقال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40)، وقال: (لَيْسَ ‌عَلَيْكَ ‌هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (البقرة:242)، وقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص:56).

- الأنبياء -عليهم السلام- يعلِّمون البشرية التوجُّه الى الله أولًا وآخرًا: قال -تعالى- عن نبيه إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:75-82).

- إذا كان الأنبياء لا يملكون شيئًا في حكم الله وتقديره؛ فكيف بمَن دونهم مِن الأولياء والأموات في الأضرحة ونحوهم؟!(1): قال -تعالى-: (‌وَمَنْ ‌أَضَلُّ ‌مِمَّنْ ‌يَدْعُو ‌مِنْ ‌دُونِ ‌اللَّهِ ‌مَنْ ‌لَا ‌يَسْتَجِيبُ ‌لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف:5-6)، وقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ ‌زَعَمْتُمْ ‌مِنْ ‌دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ:22).

(2)  سعة رحمة رب العالمين:

- الأصل أن كلَّ مَن حارب دين الله وعاند الحق؛ فهو ظالم مستحق للعذاب والعقوبة: قال -تعالى-: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).

قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ): "أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)، أي: يستحقون ذلك" (انتهى).

- لكن واسع الرحمة -سبحانه- يمهلهم، بل ويقدِّر لهم مِن الأقدار ما يعينهم على التوبة: قال -تعالى-: (‌قَالُوا ‌يَا مُوسَى ‌إِمَّا ‌أَنْ ‌تُلْقِيَ ‌وَإِمَّا ‌أَنْ ‌نَكُونَ ‌نَحْنُ ‌الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:115-122)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة" (تفسير ابن كثير).

- وقد تاب عامة مَن دعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-! فسبحان الذي بيده القلوب والهداية(2)، وفي قصة إسلام كل منهم وسيرته في الإسلام، ما يستوقف القلوب والعقول كثيرًا، مع هذه الآية الكريمة: (‌لَيْسَ ‌لَكَ ‌مِنَ ‌الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

- موقف لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- في الإسلام(3):

- عن أنس -رضي الله عنه-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى زَيْدًا، وجَعْفَرًا، وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقالَ: (أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ، حتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (رواه البخاري)، وعن قيس بن أبى حازم، قال: "سَمِعْتُ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ، يقولُ: لقَدْ دُقَّ في يَدِي يَومَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أسْيَافٍ، وصَبَرَتْ في يَدِي صَفِيحَةٌ لي يَمَانِيَةٌ" (رواه البخاري).

- موقف لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- في الإسلام:

- روى مسلم عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قال: "حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ‌ثُمَّ ‌أَقِيمُوا ‌حَوْلَ ‌قَبْرِي ‌قَدْرَ ‌مَا ‌تُنْحَرُ ‌جَزُورٌ ‌وَيُقْسَمُ ‌لَحْمُهَا، ‌حَتَّى ‌أَسْتَأْنِسَ ‌بِكُمْ، ‌وَأَنْظُرَ ‌مَاذَا ‌أُرَاجِعُ ‌بِهِ ‌رُسُلَ ‌رَبِّي" (رواه مسلم).

(3) حكم الدعاء على الكفار؟

الدعاء على الكفار على نوعين:

الأول: الدعاء على الكافر المعيَّن باللعنة، وهذا لا يشرع على الراجح مِن كلام أهل العلم(*)؛ لأن الملعون مطرود ومُبعَد عن رحمة الله -تعالى-، وهذا الكافر المعين الحي لا نعرف بما سيختم به حياته، فقد يكون ممَّن يوفقه الله للإسلام ويدخله في رحمته، والله -تعالى- ربط اللعنة بالموت على الكفر: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة:161).

وقال ابن الملقن -رحمه الله-: "واختُلِف في لعن المعين منهم -الكفار-، والجمهور على المنع؛ لأن حاله عند الوفاة لا تُعْلَم، وقد شرط الله في ذلك الوفاة على الكفر بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - مجموع الفتاوى - الآداب الشرعية).

- الثاني: الدعاء على الكفار بعمومهم، وله صورتان:  

الصورة الأولى: الدعاء عليهم بالبلايا والمصائب؛ فهذا مشروع، وهو نوع من مدافعتهم، والرغبة في زوال الشَّر وأهله؛ لا سيما المحاربين منهم، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا على طوائف من الكفار، وثبت عن الصحابة -رضوان الله عليهم- الدعاء على الكفار، ومن ذلك: ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجعلها عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (رواه البخاري)، وما رواه عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: (مَلأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ).

الصورة الثانية: الدعاء على كلِّ الكافرين الذين هم فوق الأرض بالزوال والهلاك:

- فهذا على الصحيح لا يجوز، لأنه مِن الاعتداء في الدعاء: قال الله -تعالى-، مؤدِّبًا عباده في دعائهم ربهم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف:55).

- فمِن المعلوم أن الله قدَّر بقاء الكفار لحكمة منه -سبحانه وتعالى-، وعليهم تقوم الساعة كما ثبت في أحاديث صحيحة، ولأجل ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء بهلاك كل من فوق الأرض من الكافرين، هو دعاء بما قدَّر الله -تعالى- عدم وقوعه، والدعاء بما قدر الله عدم حصوله يعتبر اعتداءً في الدعاء، والمسلم منهي عن الاعتداء في الدعاء (انظر: فتاوى اللجنة الدائمة).

- وأما دعاء نوح -عليه السلام- على قومه: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح:26).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن مِن قومك إلا مَن قد آمن، ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أُومر بها، فإنه وإن لم يُنهَ عنها، فلم يؤمر بها، فكان الأولى ألا يدعو إلا بدعاء مأمور به، واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به، واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأمورًا به لكان شرعًا لنوح، ثم ننظر في شرعنا: هل نسخه أم لا؟" (مجموع الفتاوى).

- ولم يكن من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء على الكفار كافة، بل كان يخص المعتدين منهم، ومَن اشتد أذاه على المؤمنين، كما في الأحاديث التي مرّ ذكرها، أمّا مَن كان يرجو إسلامه فكان مِن هديه -صلى الله عليه وسلم- الدعاء له: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا‏؟ فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ‏! قَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ) (رواه البخاري)، وقد أدخل البخاري في صحيحه هذا الحديث في باب: "الدعاء للمشركين ليتألفهم". والله أعلم.

خاتمة:

- الآية اشتملت على معانٍ كريمة مِن أعظمها: بيان عقيدة التوحيد العظيمة، ومن أبرزها هنا: جانب الربوبية العظيم؛ حيث الخلق والأمر، والغيب، والتقدير لله رب العالمين وحده، (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).

- بيان عظيم رحمة رب العالمين، حتى إنه يمهل الكافر والعاصي لعله يتوب: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) وختمها بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

نسأل الله أن يتوب علينا، ويسترنا في الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يزعم بعض أهل البدع زعم المشركين قديمًا، مِن أن الأولياء أو الأئمة -عندهم- يملكون الضر والنفع، والخصائص الربانية!

(2) من أبرز هؤلاء: (خالد بن الوليد - عمرو بن العاص - أبو سفيان بن حرب - هند بنت عتبة - سهيل بن عمرو - صفوان بن أمية)، فيحسن ذكر موقف لكلٍّ منهم بعد إسلامه في حبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفدائه والذب عنه.

(3) إشارة إلى موقف خالد يوم أُحد، وكيف أنه كان السبب الأعظم في تغيير نتيجة المعركة لصالح المشركين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) يجوز لعن المعين الكافر، والأولى تركه، وقد ثبت لعن الكافر المعين كما في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ العَنْ أَبَا سُفْيَانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ)، فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُمْ. (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقد تاب الله عليهم ولم يموتوا على الكفر، وليس الحديث منسوخًا، بل نزل قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)؛ لبيان أن هذا خلاف الأولى، ولكن ليس بمحرم أن يلعن الكافر بعينه. (د. ياسر برهامي).

rl(null,true)])