عاجل

بين يدي الحديث العمدة

  • 29

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْه(متفق عليه).

الحديث العمدة:

هذا اللقب أطلقه أهل العلم على هذا الحديث الشريف؛ لما حواه من الشمولية والجمع والترسيخ لشرط النية، بما أنها الشرط الأول لصحة الأعمال وقبولها.

والشطر الأول من الحديث: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ).

والشطر الثاني: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).

ومحور المقالة الشطر الثاني من الحديث الذي نتطرق منه إلى مشروعية تعداد النوايا في العمل الواحد، وجني الأجور لكُل نية استحضرها العبد على رأس العمل الواحد، إذا وُفُق العبدُ للقبول.

ودعونا نتساءل: كيف هذه الجبال الشاهقات من الحسنات التي يُجنيها العبد في العمل الواحد إذا استحضر أكثر من نية على رأس العمل الواحد؟!

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى):

إن شئتَ قلتَ عن هذه الجُملة: (الفتح المبين)، أو (الفوز الكبير)، أو (الظفر الأعلى)، إن لم تكن (الجود الجم)، و(الفضلُ الأتم)؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا احتسب على الله -تعالى- شيئًا، فإن الله -تعالى-سيُعطيه سؤله وبُغيته لا محالة.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى): الضوء الأخضر من النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلم الخلق بربه، وأعلم الخلق بخزائن ربه.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى): إذًا (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(المطففين:26)، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا(البقرة:148).

- تعداد النوايا في العمل الواحد لمَن أراد استباق الخيرات، وأراد السؤدد ورِفعة الدرجات في الآخرةـ وعلم أنه لابُد له من انتقاله إلى هذه الدار، فأراد تجهيزها للحياة السرمدية الأبدية.

- تعداد النوايا لمَن يعلم أن عُمره بين الستين والسبعين، وأراد المنافسة في الهبات والقُربات والعطايا من الحسنات ورِفعة الدرجات في أعالي الجِنان التي لم تخطُر على قلب بشر، فمَن أراد مُنافسة إخوانهِ وأقرانه من الموحدين الحاليين والموحدين الأوائل في أُمتِنا المرحومة، وحتى الأُمم السابقة الحنيفية، بل وحتى الأُمم التي عَمَرت الأرض أحقابًا.

- وعلى سبيل الترهيب: تعداد النوايا لمَن يعلم عن مراحل المستقبل الأخروي، والتي تبدأ بسكرات الموت ثم الحياة البرزخية ثم النشور ونصب الميزان ثم الصراط، ولمَن عَلِم أن الدنيا مزرعةً للآخرة، وأيقن بأن الميزان حتمًا سيُنصَب في الآخرة، وخشي أن تَغلِب آحادهُ عشراته، (السيئة بمِثلها والحسنة بعشر أمثالها)، وخشي أن يقع تحت طائلة الآية الكريمة: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) (القارعة:8-9).

- تعداد النوايا في العمل الواحد لمَن أيقن أنه لن يدخل الجنة إلا برحمة الله -تعالى-، ولن يدخلها بعمله، ولكنه أيقن بأن الله -تعالى- حكمٌ عدل قال في كتابه الكريم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(الزمر:9)، فلذلك كان العمل تصديق للوعد من الله -تعالى-، ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

- تخيل كمية النفقات التي أنفقتها في الخير في حياتك بنية واحدة... !

تخيل لو أنك عدَّدت النوايا في الأموال التي أنفقتها لكانت أجورك عند الله -تعالى- كالجبال الشامخات.

- تخيل أنك لو تصدقت على مسكين بنية الاستشفاء والعلاج؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "داووا مرضاكم بالصدقة"، وبنية إدخال السرور على قلب المسلم، وبنية إطعامه الطعام، ونية كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ونية إدخال السرور على قلب المُسلِم، وأطلق لخيالك العنان في استحضار النوايا، وما فتح الله -تعالى- عليك من تعداد النوايا على رأس العمل الواحد.

- تخيل حتى في النوافل غير المقيدة أنك إذا توضأت وذهبت للمسجد وأنت تركع ركعتين، فيجوز لك أنت تُصلي بنية سُنة الوضوء ونية سُنة دخول المسجد، ووجودك في المسجد لو نويت تكثير سواد المسلمين في الصلوات في الجمعة والجماعات.

- تخيل لو أنك ذهبت لعيادة مريض واستحضرت نية أخرى أن هذا المريض من أرحامك، وأنك بزيارته تصل الأرحام وتُدخِل على قلبه السرور، وأن تؤلف بين قلبك وقلب أخيك المسلم، إلى ما فتح الله -تعالى- عليك من النوايا.

أرأيت عُلماء الأُمه كيف هُم تُجار للنوايا وأنهم قد يكونون أكثر انشغالًا بالعِلم من بذل أعمال الطاعات، ولكنهم بأعمالهم اليسيرة الخالصةُ الصالحةُ قد سبقوا إخوانهم من العُباد والزُهاد الذين يُكثِرون التنفُل والتطوع!

لكن هل تعلم أن استحضار النوايا وتعدادها هي فضل الله -تعالى- يؤتيه من يشاء من عباده، فالاستحضار والتعداد عمليات إلهامية سريعة كالبرق، لا يوفَّق لها إلا كُل موفق، ولا يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم، لكن دعونا نعتَرِف أن هذا الإلهام يحتاج لتجهيزٍ وإعدادٍ مُسبَقٍ، ويحتاج إلى قلبٍ سليمٍ.  

ووافر حظ من العِلم "خاصة ما لا يسع المسلم جهله"، بل ويتطرق بنفسه لأكثر من ذلك حتى ينفع نفسه برفع الجهل عنها والتعرُف على آفاق الفضل من "الرحمن الرحيم"، وحتى يكُن نفعه نفعًا مُتعديًا لغيره مُحِبًّا لغيره من الخير الغيبي ما يُحِبه لنفسه، بل إذا دل على هدى كان له مثل أجر غيره دون أن يُنقَص مِنه، فبالنية الطيبة يكون المرءُ مُباركًا نافعًا لنفسه ولإخوانه أينما كان وأينما حلَّ، عَنْ أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ(متفق عليه)، ولأن أعمار البشر لا تُقاس بطولها وقِصرها، ولكن تُقاس بالتأثير وإحداث الفارق، فهذا الاستعراض السريع لنماذج مِن الِعظام أهل النوايا العظيمة الحسنة الذين نحسبهم أنهم أناخوا هُنالِك مطاياهم، سيدنا سعد بن معاذ -رضي الله عنه- أسلم وعمره ?? عامًا وتوفي وعمره ?? عامًا، واهتز لموته عرش الرحمن -عز وجل-.

عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- مدة ولايته لا تُذكر مُقارنةً بغيره، وكيف كانت مدة ذهبية، وفترة عز وتمكين للمسلمين، وحينما سألوه كان يقول: "إنني لم أخطُ خطوة إلا وكان لي فيها نية!".

شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى وغفر له وطيب ثراه- حدثوا عنه ولا حرج في استحضار النوايا، وتعدادها على رأس العمل، فلله درُك شيخ الإسلام والمسلمين، جمعنا الله -تعالى- به على كوثر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تسليمًا كثيرًا سرمدًا أبدًا.

سماحة الشيخ الوالد/ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى وغفر له- شيخنا الأغر العلامة كان كذلك لم يخطو خطوه إلا واستحضر فيها نوايا، فنحسبه أن الله -تعالى- بارك في علمه وعمله ونفع به الدنيا، فلله -تعالى- درُه كان سدًّا منيعًا عن أهل السنة والجماعة ونشر السنة في بقاع الأرض رغم أنه كان كفيفًا، وقدَّم النُصح بالأدب والموعظة الحسنة لكُل الأمة حُكامًا ومحكومين، ورأى بنور البصيرة مشاكِل الأمة والمُستجدات عليها، فجابه هذه المستجدات -رحمه الله تعالى وغفر له-، مع إخوانه من عُلماء المسلمين في اللجنة الدائمة للإفتاء وجمعيات التوجيه والإرشاد.

وتفقد أحوال المسلمين الجُدد في البلاد الآسيوية، وأرسل الجحافل الدعوية لإفريقيا ليُضيع الفرصة على بعثات التنصير والتشييع التي ما اشتدت إلا بعد وفاته -رحمه الله تعالى وغفر له-.

تعداد النوايا في العمل الواحد واستحضار النية على رأس كل عمل.

هذا الحديث لا يكاد يجهله أحدٌ من أهل القِبلة بارَّهُم وفاجرُهم وسابقهم بالخيرات ومقتصِدُهُم وظالمهم لنفسه ومُحسِنهُم ومسيئهم.

- رُتبة الحديث في أعلى درجات الصحة، راوي الحديث ثالث رجال أُمتنا الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، واتفق الإمامان البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- على صحة الحديث.

- أورد الإمام النووي -رحمه الله تعالى وغفر له- هذا الحديث في اختياراته، وجعله الحديث الأول في كتاب الأربعين النووية.

rl(null,true)])