تعظيم المنهج السلفي (1)

  • 26

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 غاية الإسلام هي إخراج الناس مِن الضلال إلى الحق المبين، ومن الظلمات إلى النور، ولقد ذكر القرآن هذه الغاية بجلاء ووضوح، قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم:1)، وقال -تعالى-: (‌قَدْ ‌أَنْزَلَ ‌اللَّهُ ‌إِلَيْكُمْ ‌ذِكْرًا . رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (الطلاق: 10-11)، وقال -تعالى-: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16).

ما النجاة؟!

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزخرف:43-44)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به، كِتَابُ اللهِ) (رواه مسلم).

فلا بد أن نعلم أن التفرُّق والاختلاف سنة ماضية، كتبها الله -تعالى- على هذه الأمة كما كتبها على الأمم السابقة، قال الله -عز وجل-: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود:118-119).

ولقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتكلم عن سنة الله الماضية في خلقه، فقال: (وَإِنَّ بني إسرائيل تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً)، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا ‌عَلَيْهِ ‌وَأَصْحَابِي) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سنة الله الجارية في هذه الأمة: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذين من قَبْلِكم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ حتى لو دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ، لَتَبِعتُموهم) قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، اليَهودُ والنَّصارى؟ قال: (فمَنْ؟!) (متفق عليه).

ماذا نصنع؟ وما المخرج؟

عَنْ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ ‌الرَّاشِدِينَ، ‌تَمَسَّكُوا ‌بِهَا ‌وَعَضُّوا ‌عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا بد من وقوع وحدوث السنن الكونية، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقتصِر قوله على بيان وقوع السنن الكونية فقط، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لنا المخرج عند وقوع هذه الوقائع والأحداث (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ ‌الرَّاشِدِينَ، ‌تَمَسَّكُوا ‌بِهَا ‌وَعَضُّوا ‌عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)، وكذا بيَّن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في جملةٍ وجيزةٍ صفات الفرقة الناجية عند وقوع الاختلاف، فقال: (مَا أَنَا ‌عَلَيْهِ ‌وَأَصْحَابِي).

فطريق النجاة والسلامة في التمسك بالمنهج بتعظيم نصوصه الشرعية؛ سواء نصوص الكتاب أو السنة، مع الاستسلام والانقياد التام لأوامر ونواهي المنهج، والوقوف عند الحدود وعدم تجاوزها، وأن نسلك مسلك سلفنا الصالح ونهتدي بهديهم حتى نَسْلَم مِن الزيغ والانحراف، قال الله -تعالى-: (‌وَأَنَّ ‌هَذَا ‌صِرَاطِي ‌مُسْتَقِيمًا ‌فَاتَّبِعُوهُ ‌وَلَا ‌تَتَّبِعُوا ‌السُّبُلَ ‌فَتَفَرَّقَ ‌بِكُمْ ‌عَنْ ‌سَبِيلِهِ ‌ذَلِكُمْ ‌وَصَّاكُمْ ‌بِهِ ‌لَعَلَّكُمْ ‌تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)، وقال -تعالى- عن سلف الأمة الصالح معتمدًا لنا طريقتهم في الإيمان: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا) (البقرة:137)، (‌وَمَنْ ‌يُشَاقِقِ ‌الرَّسُولَ ‌مِنْ ‌بَعْدِ ‌مَا ‌تَبَيَّنَ ‌لَهُ ‌الْهُدَى ‌وَيَتَّبِعْ ‌غَيْرَ ‌سَبِيلِ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌نُوَلِّهِ ‌مَا ‌تَوَلَّى ‌وَنُصْلِهِ ‌جَهَنَّمَ ‌وَسَاءَتْ ‌مَصِيرًا) (النساء:115).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.