عاجل
  • الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (56) حقيقة دين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وعلاقته باليهودية والنصرانية

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (56) حقيقة دين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وعلاقته باليهودية والنصرانية

  • 50

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:65 -68).

إن هذه الآيات الكريمة مِن أوضح وأصرح الآيات في القرآن في بيان حقيقة دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وأنه الإسلام دون غيره، وأنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين.

وينبغي كثرة تلاوة هذه الآيات على مسامع الناس في الصلاة، وخطب الجمعة والدروس واللقاءات؛ حتى تستقر معانيها في النفوس في مقاومة ومواجهة ما يسمى بـ"الدين الإبراهيمي الجديد"، الذي هو خدعة اليهود وأذنابهم، ولا علاقة له بدين إبراهيم الحقيقي القائم على البراءة من الشرك وأهله، وهم يدَّعون زورًا وبهتانًا تضمنه الشرك ومساواة الملل، وقبول تكذيب الأنبياء، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

ولنتعلم تفسير هذه الآية الكريمة ونعلِّمه للناس؛ حتى لا يلبِّس عليهم أحدٌ في هذه المسألة الخطيرة التي تعصفُ مخالفتُها بأصل دين الإنسان، وتلحقه بالكافرين، وهو قد يظنُ نفسه من المسلمين؛ لأنها تقدحُ وتنقضُ شهادة: "أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، ومَن انتقضت عنده الشهادتان لم ينفعه عملٌ، ولا قولٌ، ولا خلقٌ طيبٌ، ولا معاملةٌ حسنةٌ مع الناس؛ لأن الله لا يغفر أن يُشْرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وتصحيحُ عبادة غير الله وقبولها -ولو كان المعبود من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء- هدمٌ كاملٌ لكلمة لا إله إلا الله، قال الله -تعالى-: (ما كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:79- 80).

وكذا تصحيح دين مَن يُكذّب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ويُكذّب القرآنَ المنزل من عند الله عليه، يعتبر هَدمًا كاملًا لشهادة: "أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، والدين الإبراهيمي الجديد الذي يُروِّج له اليهودُ وأتباعهم إنما يقوم على ذلك، فلا بد من مقاومة ذلك، وتحصين المسلمين ضده، وإظهار مخالفته، والبراءة منه، وعدم الرضا به.

 قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات: "ينكر -تبارك وتعالى- على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار -بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه-: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا؛ فأنزل الله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) إلى آخر الآيات، أي: كيف تَدَّعون أيها اليهود أنه كان يهوديًّا، وقد كان زمنُه قبل أن ينزل اللهُ التوراةَ على موسى؟! وكيف تدّعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًّا، وإنما حدثتْ النصرانيةُ بعد زمنه بدهر؟! ولهذا قال -تعالى-: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، ثم قال: (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) الآية، هذا إنكار على مَن يُحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه عِلم -مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم- لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، ثم قال -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا) أي: مُتحنِّفًا عن الشرك قاصدًا إلى الإيمان، وما كان من المشركين، وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة:135).

ثم قال -تعالى-: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) يقول -تعالى-: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل -صلى الله عليه وسلم- الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي -يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم-، والذين آمنوا مِن أصحابه المهاجرين والأنصار ومَن تبعهم بعدهم.

قال سعيد بن منصور بسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ لِكلِّ نبيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبيِّينَ وإنَّ وليِّيَ أَبِي وخليلُ ربِّي، ثمَّ قرأَ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (رواه الترمذي). وقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أي: وَليُّ جميع المؤمنين برسله" (انتهى من تفسير ابن كثير بصرفٍ يسيرٍ).

قلتُ: وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني -رحمه الله-، وهو يدل على ولاية خاصة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وإن كانت الولاية لجميع الأنبياء حاصلة صلى الله عليهم وسلم أجمعين، ولكن هناك ولاية أخص لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم.