التضمين وبدع المتكلِّمين

  • 63

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالتضمين: هو استعمال لفظ ليؤدي معناه، ومعنى لفظ آخر مناسب له، وهذا أسلوب في العربية معروف، وله غرض بلاغي لطيف؛ وهو الجمع بين معنيين بأخصر أسلوب، فالفعلان مقصودان معًا قصدًا وتبعًا، "‌فَلْيَحْذَرِ ‌الَّذِينَ ‌يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" أي: يخرجون، "‌وَأَصْلِحْ ‌لِي ‌فِي ‌ذُرِّيَّتِي" أي: بارك لي.

وقد وقع البلاغيون في خلافٍ حول القصدية في هذا الأسلوب: هل المذكور هو المراد أم المؤول هو المراد، وهل هو مِن قبيل الحقيقة أم المجاز أم جامع بينهما، أم من الكناية. (ثمانية أقوال) ... إلا أن اللفظ المستعمل معناه باقٍ، وهو مراد.

قال ابن تيمية في رده على البكري: "إن التضمين المعروف في اللغة، إنما هو ضم معنى لفظ معروف إلى آخر، مع بقاء معنى اللفظ الأول".

ويأتي التضمين في القرآن الكريم على أنه مقصودٌ بالاختيار لوظيفةٍ سياقيةٍ لا يؤديها غيره، ففي قوله تعالى: "‌عَيْنًا ‌يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ"، وقوله: "‌عَيْنًا ‌يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ"، قد كان القياس خارج القرآن أن يقال: يشرب منها، لا "‌یَشۡرَبُ بِهَا"، ونقل المفسِّرون هذا المعنى وكأنه لا فرق بين "يشرب منها، ويشرب بها"، وقيل: بأن (من) زائدة هنا، والأمر عند التحقيق مختلف، فبناءً على ما قررناه من الراجح في التضمين من كون المعنى الأصلي مرادًا إلى جانب المعنى الآخر؛ فإن الفعل يشرب قد عُدّيَ بحرف الجر (الباء) دون (مِن) لتضمينه معنى فعلٍ آخر يُراد معه مِن حيث المعنى دون أن يلغي أحدهما الآخر، ولكن ما هذا الفعل؟

ذكر الطبري والماوردي والعز بن عبد السلام أنه متضمنٌ: (أ) معنى الانتفاع، أي: يُرْوَى بها، ويُنتقع بها، وأغلب ما ذُكر عند البقية داخلٌ تحت معنى الانتفاع، فقد ضُمنَ (يشرب) معنى (التلذذ)، أي: يتلذذ بها، قال العكبري: "وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى؛ وَالْمَعْنَى: يَلْتَذُّ بِهَا"، وبهذا يتحقق لدينا تكامل في الدلالة إذ ليس كل ما يشرب يُتلذّذ بشربه، فجُمع هنا بين إثبات الشرب لهم من جهة، وإثبات التلذذ بهذا الشرب من جهةٍ أخرى.

(ب) وعند ابن تيمية والنسفي والفراء: ضَمَّنَ الفعلُ معنى الارتواء؛ ليفيد الشرب والري جميعًا، وبهذا الفهم يتحقق تكامل دلالي آخر، فقد يكون ما يُشرب مُتلَذَّذاً بشربه غير أنه لا يروي شاربه، قال ابن تيمية: "وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (يَشْرَبُ بِهَا)، وَلَمْ يَقُلْ: يَشْرَبُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (يَشْرَبُ) يَعْنِي: يُرْوَى بِهَا؛ فَإِنَّ الشَّارِبَ قَدْ يَشْرَبُ وَلَا يُرْوَى. فَإِذَا قِيلَ: يَشْرَبُونَ مِنْهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الرِّيِّ، فَإِذَا قِيلَ: يَشْرَبُونَ بِهَا كَانَ الْمَعْنَى يَرْوُونَ بِهَا، فَالْمُقَرَّبُونَ يَرْوُونَ بِهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهَا إلَى مَا دُونَهَا"، وليس من مانعٍ أبدًا مِن إرادة هذه المعاني، بل إن المتدبر للسياق يُصرُّ على فهم هذه المعاني سويًّا، لما تحققه من صورة متكاملة.

وقد وجد المتكلمون في التضمين فسحة لتصحيح عقائدهم وتسوية مذاهبهم، وفرجة ومتنفس لضيق مسالكهم، فهتفوا به، ومن ذلك: أن العز بن عبد السلام في كتابه: "مجاز القرآن" استشهد به على تضمين "الإيمان" معنى "الإقرار"، وهذا توجيه من العز يؤكد فيه عقيدته الأشعرية في مسمى الإيمان، وهم يرون أن الإيمان لا يطلق حقيقة إلا على مجرد تصديق القلب، وأما القول والعمل فلا يدخلان في مسمى الإيمان حقيقة، وإنما القول سبب لظهور التصديق القلبي؛ إذ التصديق كلام النفس، وأما الأعمال فهي خارجة عن مسمى الإيمان.

وسبب هذه البدعة: ما اعتقدوه، وما قالوه -ولم يقله أحدٌ من العالمين غيرهم- في تعريف الكلام بأنه: المعنى القائم بالنفس، ومِن المعلوم: أن ما بالنفس لا يسمَّى كلامًا إلا بقيد "النفس"، يعني يقال: في نفسي كلام، أما إذا أطلق الكلام بلا قيد؛ فإنه يطلق على اللفظ والمعنى معًا، وقد فرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بين حديث النفس والكلام: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي ‌عَمَّا ‌حَدَّثَتْ ‌بِهِ ‌نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ"، لكن الأشاعرة جعلوا مسمَّى الكلام يطلق على المعنى القائم بالنفس، وترتَّب على هذه البدعة عندهم بدعة أخرى في باب الإيمان؛ وهي: أن الإيمان تصديق بالقلب، ولا يشترط العمل في الإيمان؛ لذا لا تعجب إذا سمعتهم يقولون بإيمان أبي طالب الذي نزلت فيه آية تصرِّح بكفره، يقولون: إنه كان مصدِّقًا بقلبه!

وهذا المذهب في الإيمان مخالِف للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، مِن أن الأعمال داخل في مسمى الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل "قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح"، وعمل القلب شيء زائد على مجرد التصديق، والعلم واليقين.

ومما يرد به على الأشاعرة هنا: أن كون الإيمان في اللغة بمعنى التصديق لا غير، دعوى تحتاج إلى إثبات، ولو فرضنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق؛ فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ يكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة، والخاص تنضم إليه قيود لا توجد في العام.

ولو فرضنا أن الإيمان مرادف للتصديق؛ فإن التصديق لا يكون بالقلب واللسان فحسب، بل الأفعال تسمى تصديقًا، كما في الصَّحِيحَيْنِ عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "‌الْعَيْنَانِ ‌تَزْنِيَانِ ‌وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُ"، لكن ينبغي التنبيه إلى أن الأعمال منها ما هو أصل في الإيمان ينتفي الإيمان بانتفائه -"كقول القلب وعمله، وقول اللسان"-، ومنها: ما هو شرط كمال، ينقص الإيمان بنقصانه، ومنها: ما هو مستحب، يزيد فعله من الإيمان.