عاجل
  • الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (73) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (1)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (73) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (1)

  • 44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) (النساء: 123-126).

النزاع قديم بين المشركين وأهل الكتاب وبين المسلمين -ولا يزال كذلك-؛ وكلٌّ يدَّعي أنه على الحق، وقد حَكَم الله لأهل الإسلام فبيَّن للمشركين وأهل الكتاب مِن اليهود والنصارى: أن أمانيَّهم بأنهم أهل الحق وأن دينهم هو الحق، لا ينبني عليها حكمٌ ولا قضاءٌ ولا جزاء، وإنما الدِّين عند الله الإسلام؛ فالإسلام هو الدِّين الحق الذي هو أحسن الأديان وأحقها، بل لا حَسَن مِن الأديان غيره، ولا حق سواه، ولا يَقْبَل اللهُ عز وجل من أحدٍ دينًا غيره، (‌إِنَّ ‌الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19)، وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85).

وهذا الدِّين هو اتباع ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم الذي كان حنيفًا لله، أي: محبًّا له، مُخْلِصًا له، مريدًا له، مائلًا إليه بقلبه ووجهه وكل جوارحه، معرضًا عن غيره، متبرئًا مِن كلِّ ما يُعبَد من دون الله، ومِن كل مَن يعبد غير الله، متبرئًا مِن الشرك ومن المشركين أيًّا كانت ملتهم؛ ولذا اتخذه الله خليلًا، فمَن أراد الدِّين الإبراهيمي الحق؛ فليكن كذلك حنيفًا مسلمًا، وليتبرأ من المشركين من عُبَّاد الأوثان ومِن أهل الكتاب، وإن انتسبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فإن الحنيفية هي ملته، وليس الأمر بالتمني ولا بالتحلي، ولا بالادِّعاء، ولا بمجرد الانتساب، بل بموافقة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في عقيدته وعمله.

قال الإمام بن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات من سورة النساء: "قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم؛ فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) إلى قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على مَن ناوأهم مِن أهل الأديان.

وكذا رُوي عن السدي ومسروق، والضحاك، وأبي صالح، وغيرهم، وكذا رَوَى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل مثل ذلك. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نَسَخ كلَّ كتاب، ونبينا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم فقال: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) الآية، وخيَّر بين الأديان فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، (قلتُ: خَيَّر بين الأديان، أي: بيَّن خيرها وأحسنها واختارها للناس).

وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) (البقر: 111)، (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) (البقرة: 80).

والمعنى في هذه الآية: أن الدِّينَ ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وَقَر بالقلب وصدقته الأعمال، وليس كل مَن ادَّعى شيئًا حَصَل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: "إنه هو المحق" سُمِع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان؛ ولهذا قال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام؛ ولهذا قال بعده: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) كقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 7-8).

وقد رُوي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثيرٍ من الصحابة، روى الإمام أحمد بسنده عن أبي بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فكل سوء عملناه جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟! ألست تنصب؟! ألست تحزن؟! ألست تصيبك اللأواء؟! -(قلتُ: أي: الشدة والجهد سواء كانت بسبب الأمراض أو بسبب ضيق العيش أو الحاجة إلى الناس)-، قال: بلى. قال: "فهو ما تجزون به"، ورواه سعيد بن منصور بسنده، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به.

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يعمل سوءا يُجزَ به في الدنيا".

وقال أبو بكر بن مردويه: بسنده عن عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي به عبد الله بن الزبير مصلوبًا، ولا تمرُّن عليه. قال: فسها الغلام، فإذا ابن عمر ينظر إلى ابن الزبير، فقال: يغفر الله لك، ثلاثًا، أما والله ما علمتك إلا صوامًا قوامًا وصَّالًا للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبتَ ألا يعذبك الله بعدها. قال: ثم التفت إليَّ فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به"، ورواه أبو بكر البزار، وروى في مسند ابن الزبير عن ابن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر فمرَّ بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمك الله أبا خبيب، سمعت أباك -يعني الزبير- يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والأخرى"، ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه.

وروى أبو بكر بن مردويه عن ابن عمر يحدِّث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، هل أقرئك آية نزلت عليَّ؟"، قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقصامًا في ظهري حتى تمطأتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أبا بكر؟"، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَّا أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". وهكذا رواه ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى ابن سباع مجهول" (انتهى من تفسير ابن كثير).

(قلتُ: وهذه الآثار ضعيفة الإسناد؛ إلا أن المعنى ثابتٌ من أدلة كثيرة في أن المصائب والآلام يكفَّر بها مِن سيئات العِبَاد).

وللحديث بقية إن شاء الله.